152أرض الجزيرة فنصبه في بطن الكعبة، فكانت قريش والعرب تستقسم عنده بالأزلام، وهو أول من غيّر الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل وكان أمره «عمرو» بمكة في العرب مطاعاً لا يُعصىٰ له أمر، وقد ذكرنا سابقاً أنه زعيم خزاعة، وانتصرت بقيادته علىٰ قبيلة جُرهم، وبلغ بمكة وفي العرب من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية.
ذكر الأزرقي في أخبار مكة عن هذا الرجل وتأكيده على الأصنام قائلاً: «إنّ جرهماً لما طغت في الحرم، دخل رجل منهم بامرأة منهم الكعبة ففجر بها، ويقال إنما قبّلها فيها فمسخا حجرين اسم الرجل أساف بن بغاء، واسم المرأة نائلة بنت ذئب، فأخرجا من الكعبة، فنصب أحدهما على الصفا والآخر على المروة، وإنما نصبا هنالك ليعتبر بهما الناس، ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا. . . فلما كان عمرو بن لحي (قد ولي الكعبة) أمر الناس بعبادتهما والتمسح بهما» 12.
وظلَّ الحجاج من أهل مكة ومن غيرهم يعبدون هذين الصنمين المذكورين، ويتمسكون ويتمسحون بهما ويقدمون لهما النذورات والذبائح وينحرون لهما حتىٰ جاء قصي بن كلاب، فصارت إليه الحجابة وأمر مكة، فنقلهما من الصفا والمروة، وجعل أحدهما بلصق الكعبة، وجعل الآخر في موضع زمزم، وكان أهل الجاهلية يمرون بأساف ونائلة ويتمسحون بهما، وكانوا إذا طافوا بالبيت يبدأون بأساف فيستلمه الحاج، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، فكانا كذلك حتىٰ كان يوم الفتح، فجاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله، فكسّرهما، وحين دخل الرسول صلى الله عليه و آله والمسلمون فاتحين مكة المكرمة، كان عدد الأصنام فيها وقد كسرها جميعاً رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله «ثلاثمائة وستين صنماً» 3.
وفي ذلك يقول فضالة بن عمير بن الملوح الليثي في ذكر يوم الفتح:
أوما رأيت محمداً وجنوده
بالفتح يوم تكسر الأصنام؟ !