145فأنزلهما وقفل راجعاً، تبعته هاجر ملتاعة وقالت له، إلى أين تذهب؟ ولمن تتركنا بهذا الوادي الموحش المقفر؟ قالت له ذلك مراراً خائفة وجلة، مستعطفة، وهو يمضي في سبيله، عندئذ قالت: اللّٰه آمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا اللّٰه، وحُسن ظنها وإيمانها باللّٰه تعالىٰ طمأن قلبها، وقيل: إن جبرئيل عليه السلام طمأن قلبها، أن أخبرها أنّ هذا المكان سيكون مكان خير وبركة ومهوى الأفئدة.
وقد خطهُ اللّٰه تعالىٰ لها ولابنها أن جعل البركة في إسماعيل وحيدها، وجعله أمة، وجعل ذلك المكان المقفر تهوي إليه أفئدة الناس، وجعل الخير والبركة والأمن والأمان فيه.
عن ابن عباس قال: لما أخرج اللّٰه تعالىٰ ماء زمزم لأم إسماعيل، فبينا هي علىٰ ذلك إذ مرَّ ركب من جرهم قافلين من الشام في الطريق السفلىٰ فرآى الركب الطير على الماء، فقال بعضهم: ما كان بهذا الوادي من ماء ولا أنيس، يقول ابن عباس:
فأرسلوا رجلين لهم حتىٰ أتيا أمّ اسماعيل فكلّماها ثم رجعا إلى ركبهما، فأخبراهم بمكانها، قال: فرجع الركب كلّهم حتىٰ حيّوها فردت عليهم وقالوا: لمن هذا الماء؟ قالت أم اسماعيل: هو لي، قالوا لها: أتأذنين لنا أن ننزل معك عليه؟ قالت: نعم! 1ويضيف ابن عباس قائلاً: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: القىٰ ذلك أمّ اسماعيل وقد أحبت الأنس بهم، فنزلوا وبعثوا إلى أهاليهم، فقدموا إليهم وسكنوا تحت الدوح، واعترشوا عليها العرش فكانت معهم هي وابنها، حتىٰ ترعرع الغلام وأنفسوا فيه وأعجبهم، وتوفيت أم اسماعيل، فلما بلغ أنكحوه جارية منهم 2.
وقد ذكر المفسرون والمؤرخون، أنّ اسماعيل عليه السلام طلّقَ زوجته الأولىٰ (تلك الجارية) بطلب من ابراهيم عليه السلام 3، وتزوج بأخرىٰ بنت مضاض بن عمرو الجرهمي، فولدت له اثني عشر رجلاً. وقد ذُكرت أسماؤهم وأحوالهم في كتب الصحاح وأخبار مكة وغيرها من كتب الخاصة والعامة. وجاء ما يشابه ذلك من الأسماء في التوراة. والذي يهمنا من ولد اسماعيل عليه السلام «نابت» و «قيدار» كبار ولد