108فأدرك الدور الخطير للحج وما له من الأثر الفعال في التغيير الاجتماعي الناتج من تفاعل الأفراد من مختلف الثقافات والعادات والطبائع البشرية، وذلك عن طريق تقريب الأفراد - بأجناسهم المتباينة - نحو بعضهم البعض، وتقصير المسافة المكانيّة بينهم.
فحدث الثورة الاسلامية المعاصرة، غيّر ميزان القوى، وأربك المعادلات السياسية، وأعاد للاسلام مركزه الرائد في مسيرة الانسان، وحقق صحوة إسلامية عارمة تحطم القيود والأغلال، التي كبلت الأمة آماداً طويلة. وليستعيد المشروع الحضاري الاسلامي الشامل روح الحياة بالكامل، لابد من تكريس الصراع بين الحق والباطل، ومحاربة شياطين الانس والجن؛ لإقامة حكم اللّٰه في الأرض.
فانبرى الامام القائد رضى الله عنه، وفي أول حج بعد الانتصار المبارك بإصدار بيان تاريخي مهم؛ ليوقظ المسلمين ويفتح أبصارهم وبصائرهم نحو الوضع المرير والواقع المر المخجل الذي وصلوا إليه، من خلال الجهل والضعف والسكوت عن البغي والطغيان من أجل إمرار المعاش.
فكان بيانه يقرع القلوب، ويفتح الأذهان، فاستطاع أن يوصل صوت المستضعفين الىٰ كافة أصقاع الأرض، كما استطاع أن يعيد لهذه الفريضة الإلهية - التي أُفرغت من محتواها بالكامل - دورها الدينامي الحركي القادر على تغيير الأمة نحو المستقبل المشرق، والى أمة قوية ذات عقيدة راسخة تحطم الأصنام وتفك القيود؛ لتتحرر من الظلم والاستضعاف، والتخلف والتبعية للاستكبار العالمي، ومن كلّ ألوان الشرك.
فقد خاطب قدس سره المسلمين جميعاً وفي كلّ مكان بقوله: «اعلموا أيها المسلمون، أنّ هذا التجمع الكبير، الذي ينعقد كلّ عام بأمر من اللّٰه تبارك وتعالىٰ، يفرض عليكم بصفتكم أمة مؤمنة ذات عقيدة راسخة، أن تبذلوا جهودكم في سبيل تحقيق أهداف الاسلام السامية