263جو من السلام والطمأنينة، خلال مواسمهم الدينية التي يشترك الناس والقبائل من أرجاء شبه الجزيرة العربية كافة فيها. وقد حرصوا علىٰ جعل أكبر أسواقهم تقام في الأشهر الحرم؛ لتوفير جو السلام والهدوء للتجارة أيضاً. فكانت سوق حُباشة وسوق صحار في رجب، وسوق حضرموت في ذي القعدة، وأسواق عكاط ومجنة وذي مجاز في ذي الحجة 1، بحيث لا ينتهي بيعهم وشراؤهم من سوق عكاظ حتىٰ ينصرفوا إلى السوق التي تعقد بعدها، ويستمر تنقلهم علىٰ هذا المنوال طوال أيام السنة تقريباً. كما أن من الأسواق ما كانت تقام في غير الأشهر الحرم، الأمر الذي أوجب أن يكون قدوم الناس إليها بعروضهم التجارية بخفارة، ورجوعهم منها كذلك، خوفاً علىٰ هذه العروض من أن تكون نهباً مقسماً للصوص وقطاع الطرق. فتجارة العرب كانت أروج ما يكون حيث يستتب الأمن، ويعم الهدوء، وتعم الثقة. وقد تميزت مكّة وما يجاورها من مناطق بهذه الميزة لمجاورتها الكعبة، فغنيت وازدهرت من التجارة، وفرضت نفوذها الأدبي على القبائل العربية كافة.
بيد أن رعاية التقاليد الآنفة الذكر ليست بالشيء المطرد علىٰ اطلاقه، بل قد يحدث أن بعض القبائل لا تعرف لهذه الحرمات حقاً، فتسفك الدم ولو في الشهر الحرام وفي البلد الحرام 2، أو أن طالب ثأر لا يملك أعصابه حينما يشاهد قاتل أخيه أو أبيه فيقتله، الأمر الذي حمل القوم على التفكير في توفير الحماية لهذه الأسواق.
وقد اُطلق علىٰ من يقومون بهذه المهمّة اسم (الذادة الُمحرِمين) ، بينما اُطلق على الذين يهتكون حرمة التقاليد المتعارف عليها اسم (الُمحِلين) . ويشرف علىٰ مهمة الذود عن (التحريم) الملوك، إذا كانت الأسواق تعقد في أرض مملكة، أو رؤساء القبائل الذين تقوم الأسواق في جوارهم. والرئيس الذي يحمي السوق يلقب باسم (ملك السوق) ، وربما تنافس رئيسا قبيلتين مجاورتين علىٰ ملكية السوق، فيجري الاتفاق بينهما على التناوب في القيام بهذه المهمة. وتتجلىٰ سيادة الرئيس بأخذ العشر من التجار عمّا يباع، ويطلق عليه اسم (المكس) ، وكان يقال للعشار