261اليمن البرود الموشاة وأحسن أنواع الطيوب، ومن الشام الزيوت والزبيب والخمور، ويباع فيها الحرير والأحذية وشتى الأدوات المعدنية ويعرض فيها الرقيق. وقد يأتي إليها غازٍ بما سلب من أسلحة خصم قتله في غراة، فيرىٰ ذوو المقتول سلاح قتيلهم، فيترصدون بائعه، حتىٰ إذا ظفروا به خارج السوق ثأروا منه لدم قريبهم. وكان من عادة فرسان العرب المبرزين أن يأتوا السوق ملثمين، كي لا ينكشف أمرهم ويتعرف عليهم ذوو الثارات عندهم، فيذهبوا ضحية الثأر.
وسوق عكاظ معرض لكثير من عادات العرب وأحوالهم الاجتماعية، ولحل بعض مشاكلهم السياسية، إذ كان يتم التحكيم بين القبائل المتحاربة ويتبادل الفرقاء المتخاصمون ديات قتلاهم. ومن كان له أتاوة علىٰ قوم نزل علىٰ عكاظ فجاؤوه بها، ومن أراد إجارة أحد هتفَ بذلك في السوق، ليعلم عامة الناس بذلك.
والقبيلة التي تريد خلع أحد السفهاء من أفرادها ينادي مناديها بذلك فيها. وإذا أراد أحد أن يلحق آخر بنسبه أعلن ذلك. وفي السوق تعقد معاهدات الصلح والسلام، ويتفق المتخاصمون علىٰ دفع الديات. فالسوق كانت بمثابة جريدة من الجرائد الدورية والرسمية، أو بالاحرىٰ وسيلة من وسائل الاعلام العامة. والىٰ جانب كون سوق عكاظ معرضاً من معارض التجارة، وندوة من ندوات السياسة والاجتماع، فهي معرض من معارض الأدب والخطابة، إذ تعقد فيها حلقات الأدب والشعر، ويتناشد الشعراء قصائدهم، يحكم فيها أخصائيون يكونون في الغالب من فطاحل شعراء الجاهلية، ففي الروايات أن (نابغة بني ذبيان) كانت تضرب له قبة من أدم أحمر اللون في سوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشعراء، ويستمع إلىٰ ما ينشدونه من قصائد فيعطي رأيه فيها. ولعل ما عرف باسم المعلقات هو ممّا كان يعجب به هذا الشاعر الكبير، وهذا يتم في كلّ موسم من مواسم السوق. ومعلقات الشعراء الجاهليين كثيرة، وهي من عيون الشعر في الجاهلية، ولعل تسميتها جاءت من تشبيهها لجودتها بالقلائد التي تعلق في نحور الغانيات. ولم يكن أقل من