84ومهيّئاً لخوض الصراع الضاري في ميادين الحياة.
في الحجّ يتعلّم الإنسان أنّ عليه أن يترك وطنه وأهله وماله، ويقطع كل علائق الدنيا، ويتحمّل مصاعب السفر والسهر والقلق والغربة والهجرة، ويتخلّىٰ عن كلّ ما يرتبط بمظهره من اللباس والرياش، في سبيل الوصول إلىٰ حياة إنسانية إسلامية مليئة بالفخر.
يتعلّم أن عليه أن يُعرض عن كلّ ذلك، ويستجيب لدعوة الحقّ الأزليّ، فلا يسمع سائر الدعوات الأخرى الباطلة، ويدور مع الحقّ حيثما دار، ولا يسعىٰ - في هذه الحياة - إلّاإلى الطهارة والنزاهة والصدق والحقّ.
ويتعلّم أنّ عليه أن يمزج التوقّف والتّروّي بالسعي والعمل؛ لأن كلاًّ من التوقّف والتروّي يجب أن يستتبع سعياً وعملاً، كما أنّ السعي والعمل لا يكونان إلّابعد تروٍّ وتوقّف؛ ونظر في العواقب، وحسابٍ للمستقبل، فالتروّي دون عمل والعمل دون رويّة، آفتان للإنسان في دينه ودنياه.
في الحجّ يطوي الإنسان مراحل متعدّدة في أيّام قلائل، تعلّمه أنّ ما طواه منها يجب أن يكون مثالاً يحتديه في حياته.
الحجّ - بمنظار آخر - تمثيل لعرصات القيامة، وتجسيد لحشر الخلق، فالكلّ إلىٰ جهة واحدة، لا شيء يميّز بينهم، متوجّهون إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النار، حشر عظيم في هذه الحياة الدنيا، ونموذج مصغّر عن الحشر الأكبر في الآخرة.
الرحيل عن الدار والأهل يشبه الموت الذي هو بداية الحياة الأُخرىٰ، ومواقف الحجّ ومناسكه، كلّ واحد منها يذكّر بمواقف العبد أمام مولاه في يوم القيامة، حيث ينتهي به المطاف إلى الردّ أو القبول: فريق في الجنّة وفريق في السعير.
والحاج - من خلال هذه الرؤية التطبيقية بين مواقف الحجّ ومواقف القيامةفي قلق واضطراب دائمين، واقف بين الخوف والرجاء فإلىٰ أيّ