146وطالما حثَّ الامام عليه السلام أتباعه علىٰ طلب العلم، ولا سيما الشباب منهم، وتمنىٰ لهم أن ينخرطوا في سلك العلماء والمتعلمين، روىٰ (أبو قتادة عن أبي عبداللّٰه عليه السلام، أنه قال: لستُ أُحبّ أن أرى الشاب منكم إلّاغادياً في حالين: أما عالماً أو متعلِّماً، فإن لم يفعل فرّط، فإن فرّط ضيّع، وإن ضيّع أثم، وإن أثم سكن النار، والذي بعث محمداً صلى الله عليه و آله و سلم بالحقّ) 1.
وأفصح الصادق عليه السلام عن معيار يحدد في ضوئه منزلة كلّ واحد من شيعته، فيما رواه عن أبيه الباقر عليه السلام حين قال له: (يا بني اعرف منازل الشيعة علىٰ قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرِّواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلىٰ أقصىٰ درجات الايمان، إني نظرت في كتاب لعليّ فوجدتُ في الكتاب:
أن قيمة كلّ أمرء وقدره معرفته، إن اللّٰه تبارك وتعالىٰ يحاسب الناس علىٰ قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا) 2.
مدرسة المدينة بعد الامام الصادق عليه السلام:
لم يدم عصر الازدهار الذي عاشته مدرسة المدينة بعد وفاة الإمام الصادق عليه السلام إثر ازدياد الاضطهاد، الذي كان يتعرض له تلامذة الأئمة في العصر العباسي، وقسوة الأحوال الأمنية التي عاشوها، وانتهت بإمامهم موسى الكاظم عليه السلام إلى السجن، ثم القتل بالسم. وهيمنت حالة من الخوف والذعر على الشيعة بالمدينة، أدت إلىٰ حرصهم على التكتم، واحاطة نشاطهم بالسرية، يقول هشام بن سالم: (كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبداللّٰه عليه السلام، أنا، ومؤمن الطاق، وأبو جعفر، . . . فنحن كذلك إذ رأيت رجلاً شيخاً لا أعرفه يومي إليّ بيده، فخفت أن يكون من عيون أبي جعفر، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون علىٰ أن من اتفق من شيعة جعفر فيضربون عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت لأبي