184من سَرَّهُ ذلك ومنهم من ساءَه، ولم يكن يصل إليهم شيء إلّا سِرّاً، حتّىٰ إنّ المُطْعِمَ بن عَدِىّ أدخل عليهم في بعض الأيام ثلاثة أوقار من الطعام، وكان النبي صلى الله عليه و آله يَشكُرُ له ذلك، وكانت العير تأتي من الشام وعليها الحِنْطَة إلىٰ حكيم بن حِزَام بن خُوَيْلد فيوجهها نحو الشِّعب، ثم يَضرب أدبارها فتدخل عليهم، فيأخذون ما عليها من الحنطة، وكان هشام بن عمرو بن ربيعة أوْصَلَ قريش لبني هاشم حين حُصِرُوا في الشِّعْب، أدخل عليهم في ليلة ثلاثة أحمال طعام، فعلمت بذلك قريش، فمشوا إليه فكلَّمُوه في ذلك فقال: إني غير عائد لشيء تحالفتم عليه. ثم عاد الثانية وأدخل حِملاً أو حِمْلين، فغالظته قريش وهمّوا به، فقال أبو سفيان بن حرب: دَعُوه؛ رجلٌ وصَلَ رحمه، أما إني أحلُفُ باللّٰه لو فعلنا مثل ما فعل كان أجمل 1.
وقال في موضع آخر: . . . فلما رأى أبو طالب عملَ القوم جمع بني عبد المطلب وأمرهم أن يُدخِلوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله شِعْبَهم، ويمنعوه ممن أراد قتله، فاجتمعوا علىٰ ذلك مسلمهم وكافرهم. . . 2.
فلبث بنو هاشم في شعبهم ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاء والجَهْدُ، وقطعوا عنهم الأسواق، فلا يتركوا طعاماً يَقْدُم مكة ولا بيعاً إلا بادروهم فاشتروه، يريدون بذلك أن يُدْرِكُوا سَفْكَ دم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وكان أبو طالب إذا أخذ النّاسُ مضاجعهم أمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فاضطجع علىٰ فراشه، حتّىٰ يرى ذلك من أراد مكراً به واغتياله، فاذا نَوَّمَ الناس أمر واحداً مِنْ بنيه، أو اخوته، أو بني عمّه فاضطجع علىٰ فراش رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وأمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه 3.
وقال ابن كثير في السيرة النبوية:
. . . فلما رأى أبو طالب عملَ القوم جمع بني عبد المطلب، وأمرهم أن