71ومما يلاحظه زوار مكة كثرة المستجدين من السودانيين الذين يسمونهم «التكارنة» ؛ وهؤلاء ممن تضيق بهم سبل العيش فينزحون إلى جوار الحرم الشريف رجاء العيش مما يجود به أهل الخير، وقد شهدت نفراً من أولئك السودانيين بحالة تفتت الأكباد، ولست أدري ما هو نصيبهم من حسنات حكومتهم الغنية في ديارهم. . . ؟ !
. . . ولما كان جلالة الملك عبد العزيز بحكم اضطراره لمباشرة شؤون نجد على الأخص، ولأنه في الواقع لا يريد أن يحصر همّه في إدارة شؤون الحجاز، فقد اقتضت حكمته أن يولي سموّ الأمير فيصل، ثاني أنجاله، بمثابة قائمقام له في إدارة حكم الحجاز، بعد ما آنس من تعلق الحجازيين بذاته وميل الشعب الحجازي إلى تسيير شؤون الحكم على مقتضى نظام الشورى.
وقد أصاب في ذلك كل الإصابة، فقد أظهر هذا الأمير الصغير السن حكمة الشيوخ ولياقة الحكماء، فجمع القلوب حوله، حتى إنّ ممثلي الدول الأجنبية الذين خالطوه بحكم مهامهم الرسمية، شهدوا له بحدة الذكاء، وبعد النظر، و رقّة الجانب، وكانت رحلته في عواصم أوربا في خلال الصيف الفائت مما أيد حسن ظن هؤلاء وأولئك فيه، فنشر دعاية العرب بين أمم الغرب من طريق غير مباشر، وعاد يحمل إلى قومه وبلاده ثقة الأمم المتمدنية، بعد أن كان الاعتقاد السائد بينهم أنّ بلاد العرب يحكمها أناس بعيدون عن المدنية، مجردون عن صفات التهذيب الإنساني.
الحج ومراسيمه
ومما يذكر حيال الحج ومراسيمه أنّ جماعات المطوفين كانوا إلى ما قبل حكم الملك ابن السعود في الحجاز أشبه بجماعات التراجمة الذين يصاحبون السياح الأجانب في مصر، فيمثلون معهم شتى ضروب القبائح، ويرسمون أمام أنظارهم أشنع صنوف الموبقات، ويصورون لهم الأمة المصرية تصويراً ذميماً، مما حمل الصحافة المصرية في الأيام الأخيرة أن تطلب من الحكومة المصرية الوقوف في وجههم ومصادرتهم وسن اللوائح لإيقافهم عند حدهم محافظة على كرامة مصر وسمعتها.
وقد كان أولئك المطوفون يتلقفون الحجاج، ولا سيما بسطاؤهم، فيبتزون أموالهم ويلقنونهم أقوالاً خرافية منافية للشرع والعقل معاً، مثال ذلك أن يمسك أحدهم بحاج ساذج ويلقنه العبارة التالية، بصوت خافت على باب الحرم الشريف، كأنما هو يُنزل عليه آية من السماء! : «أللهم إني