51وانتباه إلى ما يصدر منهم، فلا يتخذون من الشؤون السياسية والمباحث الخاصة برجال دولتهم مثاراً للبحث أو التسلية، كما يفعل غيرهم من أبناء الأمم الشرقية الأخرى. . . وتراهم يقصرون أحاديثهم في طوال أسفارهم على رواية قصص مشاهير العرب، من بطولة، و كرم، و تمسك بأصول الدين والفضائل.
ومع أنّ الشعر نبت في أرض العرب فإنّ أهل بادية نجد الوسطى تعده حراماً، لأنه تغلب فيه الحماسة دون ذكر الله، أو الغزل، وهذا ما يعده العرب نقيصة خلقية تعافها نفوسهم.
وأبلغ مثال على تطور أخلاق العرب أننا مررنا ببقعة تدعى: «حظوظه» تقع على سطح تل رملي في وسط الصحراء ذات تربة طينية لزجة لا يستطيع الإنسان السير عليها ولا يمكن أن تقربها أقدام الإبل، ويقول العرب: إنها كانت مكان «مدينة لوط» التي غضب الله على أهلها، كما جاء ذلك في الفرقان، ويقولون: إنّ بطن هذه البقعة تحوي كنوزاً من الذهب وغيره من النفائس، ومع ذلك فلم تحدث نفس أفقر أعرابي في الوصول إليها، أو التطلع إلى ما يحويه جوفها من كنوز، باعتبار أنّ أرضها نجسة وقد غضب الله عليها وعلى كل من كان يعيش فوق أديمها في غابر الزمان. . . !
في الجوف:
وفي اليوم الثامن وصلنا إلى مكان يسمونه «الفرجية» يحيط به عدة جبال كساها البرد، وأحاطت بها الحشائش الخضراء، فبانت للناظرين كأبدع ما تراه العيون في سويسرا ذات المناظر الطبيعية البهيجة، أضف إليها جمال الصحراء، وسكونها الرهيب، وجلالها الخاطف للألباب، وهكذا مرّ بنا ضحى اليوم التاسع مرّ النسيم العليل، فأنستنا هاتيك المناظر ماسبقتها خلال الثمانية الأيام من طرق موحشة وصحراء جرداء، ووصلنا إلى بلدة «الجوف» . . .
و «الجوف» بلدة صغيرة تقع في واد منخفض تحوطها الجبال من جميع جهاتها، ولعل ذلك أصل تسميتها بالجوف، أي أنها واقعة في جوف الجبال والصحراء، ويكثر فيها النخيل الذي يؤتي تمراً ممتازاً على سواه بلذة طعمه وسرعة هضمه، ويزرع أهلها كذلك القمح والشعير وبعض الخضر وأشجار الفاكهة كالليمون والبطيخ والخوخ والعنب والمشمش، ويشتغلون بالتجارة، وبعض الصناعات كدبغ الجلد ونسيج الصوف الذي تصنع منه العباءات المعروفة باسم: «عباءالجوف»