150أما عن صلاتهم هذه، فيقول الشيخ ابن عاشور: ولا تُعرف للمشركين صلاة؛ فتسمية مكائهم وتصديتهم صلاةً: مشاكلةٌ تقديرية؛ لأنهم لما صدوا المسلمين عن الصلاة وقراءة القرآن في المسجد الحرام عند البيت، كان من جملة طرائق صدهم إياهم: تشغيبُهم عليهم، وسخريتهم بهم يحاكون قراءة المسلمين وصلاتهم بالمكاء والتصدية. قال مجاهد: فعل ذلك نفر من بني عبد الدار، يخلطون على محمد صلاته. وبنو عبد الدار هم سدنة الكعبة وأهل عمارة المسجد الحرام، فلما فعلوا ذلك للاستسخار من الصلاة: سمي فعلهم ذلك صلاة، على طريقة المشاكلة. . . ؛ فلم تكن للمشركين صلاة بالمكاء والتصدية. . وإذا أخذنا برواية ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفقون ويصغرون، فإنّ إطلاق الصلاة على المكاء والتصدية مجاز مرسل.
ويؤيد هذا قوله: فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ، لأنّ شأن التفريع أن يكون جزاء على العمل المحكي قبله، والمكاء والتصدية لا يُعدان كفراً إلا إذا كانا صادرين للسخرية بالنبي (ص) وبالدين، وأما لو أريد مجرد لهو عملوه في المسجد الحرام فليس بمقتض كونه كفراً، إلا على تأويله بأثر من آثار الكفر. . . 1
فكلاهما يعدّان من خصال أهل الجاهلية ومن مساوئ الأخلاق، وقد ذم الله في قرآنه الكريم كفار قريش على هذا الفعل. . وأنهما أي التصفيق والتصفير أعمال هوجاء، لا تصلح أن تتخذ عبادة وشعيرة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. فلا صلاة لهم بهما ولا عبادة وكلُّ الذي يحصل بهما ومنهما إن هو إلا ضرب من اللهو واللعب، وبالتالي فإنّ المسلمين الذين يطيعون الله ويعبدونه عند هذا البيت أحقُّ بمنع المشركين منه وصدّهم عن دخوله والعبث فيه، لا العكس؛ ولهذا يقول سيد قطب: إنهم ليسوا أولياء لهذا البيت وإن كانوا يصلون عنده صلاتهم. فما هذه بصلاة! إنما كانت صفيراً بالأفواه وتصفيفاً بالأيدي، وهرجاً ومرجاً لا وقار فيه، ولا استشعار لحرمة البيت، ولا خشوع لهيبة الله. عن ابن عمر أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون.