109وليس جَاهل شيءٍ مثلَ مَن علما.
كقول سويد بن أبيكاهل اليشكري في صفة صحراء لا يعرف مسالكها:
فركبناها على مجهولها
بصلاب الأرض فيهنّ شجّع
واطلقته ثالثةً عليهما معاً، يقول ابن عاشور في تفسيره: والجهل ضد العلم وضد الحلم وقد ورد لهما في كلام العرب، مستدلاً بنفس ما قاله الشعراء الثلاثة. هذا وأن العلامة الطباطبائي بعد أن يذكر أن القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الإسلام بالجاهلية، يقول: وليس إلا إشارة منه إلى أن الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم. . " وسيأتي كلامه مفصلاً عن الجاهلية. 1
خطبتان و خطبٌ:
وخير ما يبين لنا معنى (الجاهلية) هو الآيات القرآنية وبالذات الآيات الأربع الآتية، ولكن بعد أن نذكر خطبتين تصفان وتبيّنان مساوئ الجاهلية، وتبيّنان الفرق بينها والإسلام وقيمه التي بعث بها رسول الله (ص) رحمةً للناس جميعاً:
الأولى:
قول الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه، وهو من أوائل المسلمين، وله مواقف شهيرة، ومقامات حميدة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، حين راح يخاطب النجاشي، وبعد: «أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحّده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام. . . فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئاً، وحرّمنا