210لقد تعرضت هذه المدرسة المباركة لحالتي الإغواء والابتلاء، فارتفعت أعلام وسقطت أخرىٰ، وتألقت نفوسٌ وهوت غيرها، وفاز جمع وخاب آخر. . . ومع هذا كلّه وغيره الكثير، بقيت هذه المدرسة المحمدية أعظمَ مدرسة عرفتها الدنيا! ونموذجاً فذاً لم يعهد مثله التاريخ وكيف لا تكون كذلك، وقد راحت السماء تغذيها وتمدّها وتنمّيها وتجذرها في قلوب مؤمنة صادقة، راحت غير عابئة بما يحيط بها من أذًى ومن تعسفٍ ومن ظلم وقسر واضطهاد تبشر بآيات اللّٰه وسنّة نبيه لتحملها مفاهيمَ ومبادئ وأحكاماً إلى الناس كافة؟ !
لقد خلقت قلوباً أبيّة، ونفوساً كبيرة يحتضنها رجالٌ أفذاذ، صحابةٌ أجلّاء، تركوا آثارهم علىٰ تأريخنا بل علىٰ تأريخ الإنسانية عطاءً وعلماً، وتضحيةً وجهاداً، وأخلاقاً وآداباً. . .
لقد آمن هؤلاء والإسلام يعيش أحرج ظروفه وأقساها من حيث القلة والضعف والهوان في ساحة يحيطها الأعداء من كلّ مكان. آمنوا وقدموا كلّ ذاك العطاء وكلّ تلك التضحيات. . . بسبب ولائهم الصادق لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وحبهم العظيم له ولما حمله من قيم السماء. وهو ما شهد به أبو سفيان يوم كان زعيماً لأعداء اللّٰه ورسوله: ما رأيتُ من الناس أحداً يحبّ أحداً كما يحب أصحابُ محمد محمداً.
وعمار وأبوه ياسر وأمّه سمية من هذه الفئة المؤمنة حقّاً، ومن هذه النخبة الطاهرة، ومن هؤلاء الأصحاب، الذين سجلوا لنا أمثلة رائعة وكبيرة للإيمان وللتضحية والفداء والصبر والحلم تشهد بذلك سجونُ قريش وسياطُها وحديدتُها المحماة ورماحُها القذرة، التي حملتها نفوسٌ سيئة وقلوبٌ قاسية وأيادٍ ملطخة بدماء البراءة والطهارة، كما تشهد لهم بذلك الصبر رمضاءُ مكة وشمسُها المحرقة، وما ذلك إلّالأنهم دعوا الى اللّٰه ومَن أحسن قولاً ممّن دعا الى اللّٰه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين .
إن الكتابةَ عن «أبو اليقظان» - هذا الرسالي، الذي وفّقه اللّٰه تعالىٰ ليعيش أجواء الرسالة وأفياء مدرستها تلك