205هذا التجمّع الهائل الذي كان ينقطع بين حين وآخر في السنوات الأخيرة، فقد وصلت إلى مكّة، منذ أن أتت إليها قافلتان كبيرتان، إحداهما من آسيا والاُخرى من أفريقيا، يبلغ عدد القادمين فيهما حوالى أربعين ألف شخص، كان يبدو عليهم كلّهم مقدار ما يكنّونه في نفوسهم من الاحترام والتقديس للبيت الحرام. .» .
وهنا يعلّق الرحالة بورتون (1820 - 1890م) (65) ، الذي نشر ما كتبه فيناتي في آخر رحلته، على هذا بقوله: إنّ «علي بك» يقدّر عدد الحجّاج الذين وقفوا في عرفات سنة 1807 بثمانين ألف رجل وألفي امرأة وألف طفل. وأنّ الرحالة بيركهارت قدّرهم في 1814 أيضاً بسبعين ألفاً. ثم يقول بورتون: إنّهم لم يتجاوزا الخمسين ألف نسمة، حينما زار مكّة سنة 1835م (66) .
ويقول فيناتي بالنسبة لمناسك الحج في عرفات: إنّ الحجّاج حينما يذهبون إليها، لابدّ من أن يضحّوا ولو بذبح خروف فيها، وإنّ هذا يفعله الغني والفقير، على سواء، ويساعد فيه الغني الفقيرَ عند الحاجة. وكان مثل هذا العدد الهائل من الضحايا يملأ الأماكن المكشوفة كلّها، فيتقاطر الفقراء من جميع أنحاء البلاد ليأخذوا حصّتهم منها. . وبعد أن تتمّ مناسك الحج كلّها كانت تسجّل الأسماء عند كاتب خاص يُعيّن لهذه المهمّة، وعند ذاك ينفضّ الحجّاج ويعودون إلى أماكنهم.
ويعلّق بورتون على هذا القول أيضاً بقوله: إنّهذه العادة لم يعد يُعمل بها. وإنّ شهادة كان يعطيها الشريف من قبل إلى جميع من يستطيع دفع المال المطلوب عنها، و من يحتاج إلىالبرهنة على ذهابه إلى حج البيت الحرام، لكن هذا لم يعد لها وجود (67) .
وفي الوقت الذي كان فيه «جيوفاني فيناتي» يقوم برحلة الحج إلى مكّة، كان هناك ثمّة رحالة خطير، يُعدّ من أشهر رحالي القرن التاسع عشر، وأبعدهم صيتاً وشهرة، يشارك في موسم الحج ذاك، متخفّياً تحت اسم مستعار «الشيخ إبراهيم» . . ذلك هو الرحالة السويسري بيركهارت الذي سنأتي على ذكره، في الحلقة القادمة، بإذنه تعالى.