115طفلهما الصغير زيداً، وكلما همّ أن يودع القافلة التي كانت أم زيد برفقتها ويعود إلى شأنه، يدفعه تعلقه بهم، وحنان خفيّ، وحب عجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده. . لكنّ الشقّة بعدت، والقافلة أغذت سيرها، وآن لحارثة أن يودّع الوليد وأمّه، لكن شعور قلق وخوف عليهم، وحزن راح يراوده، مما جعله يقف طويلاً مسمراً في مكانه، مكتفياً بأن يلوح لهما بيديه حتى غابا عن بصره، وأحسّ وقتها كأن قلبه لم يعد في مكانه المعهود؛ كأنه رحل مع الراحلين. . ! !
ومكثت سعدى في قومها ما شاءالله لها أن تمكث. . وذات يوم فوجئ الحيّ، حي بني معن، بإحدى القبائل المناوئة له، فأغارت
خيلهم خيل بني القين بن جسر، وأنزلت الهزيمة بأهل الحي، وما أن مروا على أبيات بني معن رهط أم زيد، حتى احتملوا زيداً معهم، وهو يومئذ غلام يافع.
ورجعت وحيدةً!
وعادت سعدى إلى زوجها وحيدةً، ولم يكد حارثة يعرف النبأ منها حتى خرّ صعقاً، وحمل عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحاري، ويسأل كل قبيلة في طريقه أو قافلة تصادفه عن ولده وحبّة قلبه زيد، وهو يحدو ناقته بأبيات شعر من الطويل، ظل ينشدها بقلب مفجوع، ودموع جارية، ومن تلك الأبيات: