73رشيد الأمر؛ قال سالم: فكانوا يرون أنّ علياً لو كان طاعناً على عمر في شيء من أمره، طعن عليه في أهل نجران. 1يبدو لي هذا النص لا يمكن تصديقه، فهل يعقل أن تأتي أمّةٌ من الناس تطلب إجلاءها عن موطنها؟ ! مهما تحاسدوا وتشاجروا. . . هذا النص على تقدير صحّته يدلّ على أنّ قرار الإجلاء لم يكن لنصّ ديني، وإنما لتوافق تقدّم بطلبه الطرف الآخر.
لكنّ هذا الخبر حتى لو كان موضوعاً يؤكّد ما قلناه سابقاً، من أنّ التباساً أحاط خطوة عمربن الخطاب، وأنّ هناك انتقادات أعتقد أنّه سجّلها خصوم الخلفاء الأوائل من العلويين، من بينها مخالفة سنّة عمر لسنّة النبي في موضوع أهل الكتاب، ولهذا نجد الراوي يشير في النهاية إلى الإمام علي بن أبي طالب (ع) وأنّه لم يكن يطعن في عمر شيئاً، ممّا يعطي مؤشراً واضحاً على أنّ بعض أنصار خطّ الإمام علي (ع) كانوا بصدد النقد لسياسات عمربن الخطاب، وأنّ الراوي اخترع هذه القصّة ليبرّأ ساحة الخليفة الثاني أمام العلويين.
6 - إنّ مجموعة النصوص التاريخية والحديثية هذه تتحدّث عن ملابسات خاصّة رافقت إجلاء عمر بن الخطاب لليهود من بعض المناطق، وليس فيها عين ولا أثر لفكرة وجود أمر إلهي نبوي أبدي بذلك قام عمر بتنفيذه، فلو كان هذا الأمر موجوداً لظهر أثناء هذه الأحداث وقبيل اتخاذ الخليفة قرار الإجلاء من هنا أو هناك؛ بل هذه النصوص توحي - حتى لو وضعت - بأنّ جدلاً أحاط خطوة الخليفة، وأنّ عملية الوضع هذه جاءت لتبرّر قرار الخليفة الثاني، فلو كان النصّ الإلهي معروفاً في تلك الفترة لتناوله الوضّاع وأقحموه في هذه النصوص التاريخية التي تحدّثت عن الإجلاء، ودافعوا به عن الخليفة الثاني.
ويجب أن لا نغفل عن أنّ كلّ ما تقدّم كان بملاحظة الرواية بصيغة (اليهود والنصارى) ، لا بالصيغة الأولى التي ورد فيها الحديث عن (المشركين) ، فإنها سليمة عن هذه الإشكالات كلّها.