74وإذا غضضنا الطرف عما تقدّم، فإنّ هذه الرواية - سواء وردت بلفظ (المشركين) أم (اليهود والنصارى) - لا تبيّن حكماً إلهياً؛ إذ غاية ما فيها أنّ النبي (ص) يخبرنا أنّه إذا سنحت له الظروف سوف يُخرج المشركين وأهل الكتاب من الجزيرة، وهذا المعطى أعمّ من أن يكون قراراً إلهياً إلزامياً أو يكون قراراً نبوياً زمنياً، بذلك استدعته ملابسات وظروف تلك الفترة، فلو تعاطينا مع النبي على أنّ لديه نوعين من القرارات، فهذا النصّ بهذه الصيغة لن يؤكّد أيّاً من النوعين؛ ولهذا يؤخذ بالقدر المتيقن، وهو تاريخية الحكم.
ونشير هنا أيضاً إلى أنّ قرار إجلاء النبي (ص) يهودَ المدينة إلى خارجها - وليس إلى خارج الجزيرة - لا يدلّ على وجود قرار إلهي أبدي بالإجلاء، رغم أنّ تعبير بعض الروايات ورد فيه الإجلاء؛ 1لأنّ أحداث المدينة عرفت ملابسات خاصّة، وبقاء اليهود كان يهدّد أمن الدولة الإسلامية، الأمر الذي أكّدته بشكل قاطع أحداث معركة الأحزاب، التي دفعت النبي لاتخاذ قراره بغزوة بني قريظة، ثم بخيبر، ولهذا نجد في بعض نصوص قرار الإجلاء هذا عن المدينة ما يفيد استناد الحكم إلى قرار نبوي بوصفه حاكم المسلمين، لا إلى قرار شرعي أبدي ينفّذه النبي (ص) ففي خبر أبي هريرة عن النبي (ص) في حوار النبي مع اليهود في سياق إرهاصات قرار الإجلاء جاء: «اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلاّ فاعلموا إنما الأرض لله ورسوله» . 2فإنّ الاستناد إلى سلطنة النبي على الأرض استناد إلى معيار مالكي لا إلى معيار شرعي قانوني إلهي ثابت، فكأنه يقول لشخص: هذه الدار داري وأنا قرّرت إخراجك منها، فإنّ هذا اللسان ليس لسان تشريع إلهي نازل بأمره بذلك إلى يوم القيامة، وإنما هو لسان حكومي زمني كما هو واضح.