110الفائدة:
كل هذه أمثلة على مدى الخلاف الحاصل بينهم عن المفردة محل البحث، فهل هناك ثمرة منه؟
إنّ فائدة هذا البحث تظهر في مسألة فقهية، وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت، وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع؟
يقول الرازي: قال أبوحنيفة: يثبت.
وقال الشافعي: لا يثبت.
ثم يواصل الرازي كلامه: وحجة أبي حنيفة ظاهرة على مذهب أهل اللغة وذلك لأن أهل اللغة رجلان:
أحدهما: الذين قالوا: الإحصار مختص بالحبس الحاصل بسبب المرض فقط، وعلى هذا المذهب تكون هذه الآية نصاً صريحاً في أن إحصار المرض يفيد هذا الحكم.
والثاني: الذين قالوا: الإحصار اسم لمطلق الحبس سواء كان حاصلاً بسبب المرض أو بسبب العدو، وعلى هذا القول حجة أبي حنيفة تكون ظاهرة أيضاً؛ لأنّ الله تعالى علق الحكم على مسمى الإحصار، فوجب أن يكون الحكم ثابتاً عند حصول الإحصار سواء حصل بالعدو أو بالمرض.
وأما على القول الثالث: وهو أنّ الإحصار اسم للمنع الحاصل بالعدو، فهذا القول باطل باتفاق أهل اللغة وبتقدير ثبوته فنحن نقيس المرض على العدو بجامع دفع الحرج وهذا قياس جلي ظاهر فهذا تقرير قول أبي حنيفة وهو ظاهر قوي.
وأما تقرير مذهب الشافعي، فهو أنا ندعي أنّ المراد بالإحصار في هذه الآية منع العدو فقط، والروايات المنقولة عن أهل اللغة معارضة بالروايات المنقولة عن ابن عباس وابن عمر، ولا شك أنّ قولهما أولى لتقدمهما على هؤلاء الأدنى في معرفة اللغة وفي معرفة تفسير القرآن، ثم إنا بعد ذلك نؤكد هذا القول بوجوه من الدلائل:
الحجة الأولى: أنّ الإحصار إفعال من الحصر والإفعال تارة يجيء بمعنى التعدية نحو: ذهب زيد وأذهبته أنا، ويجيء بمعنى صار ذا كذا نحو: أغد البعير إذا صار ذا غدة، وأجرب الرجل إذا صار ذا إبل جربى،