124وتفرد بأخرى عن أهل بيته، فقد عرف قيس بذكاء ودهاء وفطنة، و بالتالي مكر وكيد وخداع.
لقد كان الرجل يتمتع بهذه القدرات الخاصة، وقد لانجد مثيلاً لها إلاّ عند القلة من البشر، وهو أمر لمسه من يعيشون معه، فكانوا يحسبون له ولما يحمله من تلك القدرات ألف حساب، فقد كان يعرف بدهاء عجيب، وذكاء حاد، وفطنة قلّ نظيرها، ظهرت على سيرته ومن خلال تعامله مع من حوله، حتى صاروا يحذرونه في تعاملاتهم، وفيما يطرحونه من آراء، وفيما يتفوهون به من أقوال، وما يتخذونه من مواقف، فردوده تتسم بالسرعة والدقة واللباقة بل بالمخادعة والمكر. . وقد عرف بأنه واحد ممن هم لايتجاوزون أصابع اليد بالدهاء والمكر والكيد، حتى اشتهروا بأنهم من دهاة العرب، يقال لهم ذوو رأي العرب في مكيدتهم: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وقيس بن سعد؛ و كان قيس و ابن بديل مع علي (ع) ، فيما وقف الأول والثاني ضد الإمام علي (ع) ، وظلّ المغيرة معتزلاً بالطائف وأرضها إلى حين. 1كلّ هذا كان وقيس يعيش الجاهلية بكل ما تحمله، أي قبل إسلامه، لكنه ما أن أعلن إسلامه حين أخذه أبوه سعد بن عبادة إلى رسول الله (ص) قائلاً: هذا خادمك يا رسول الله! فأسلم على يديه، وصدق فيه حتى تغيرت حياته، وغدا يتعامل تعاملاً آخر يتناسب وإسلامه وأخلاق الدين الجديد وقيمه ومبادئه، حيث تغير تغيراً جذرياً وكلياً، وهو ما جعل قيس يضحك ويقول حين يتذكر تلك الأيام والمواقف والأحداث المتصفة بدهائه عبر مكره وخداعه وكيده: "لولا الإسلام لمكرت مكراً لاتطيقه العرب" ويقول أيضاً: "لولا أني سمعت الرسول (ص) يقول: «المكر والخديعة في النار» ، لكنت من أمكر هذه الأمة".
إنّ أروع ما قرأته عن الرجل قدرته على الدهاء وعلى الإمساك به في الوقت ذاته، فالدهاء الذي يتمتع به لم يترك قيس له العنان، ويجعله مطلقاً كما هو حال معاوية وابن العاص اللذين لم يتقيدا بشرع، فيما قيده قيس بالشرع، نعم كما كانت له قدرة على الدهاء كانت له القدرة على ضبطه بضوابط دينه.
كتب الشيخ عبدالحسين الأميني في الغديرعن قيس: شهرته بالدهاء مع تقيده بالدين وكلاءته حمى الشريعة والتزامه البالغ في إعمال الرأي بمايوافق رضا مولاه سبحانه، وكفه عما يخالف ربه، نثبت لقيس الأولوية والتقدم والبروز بين دهاة العرب، ولا يعادله من الدهاة الخمسة المشهورين أحد إلاّ عبد الله بن بديل؛ وذلك لاشتراكهما في المبدإ، والتزامهما بالدين الحنيف، والكفّ عن الهوى، والوقوف عند مضلات الفتن. .
أقول: إنّ لقيس و ابن بديل أسوة بالإمام علي (ع) حين يقول في معاوية: «والله، ما معاوية بأدهى مني، ولكنه يغدر ويفجر؛ و لولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة؛ والله ما أستغفل بالمكيدة، ولا أستغمز بالشديدة» . 2وفعلاً اعترف الناس بذلك وبمؤامراته التي كان يحيكها، والتي تبين قدرته على الخديعة والكيد والمكر، وهم عاجزون عن ردها والتغلب عليها، ولكنهم وقفوا مبهورين بما رأوه منه بعد إسلامه، وكيف حوله من