122وإنما المال لأبي، قال لهم: أبي يقضي عن الأباعد، ويحمل الكل، ويطعم في المجاعة ولا يصنع هذا بي، فلما سمع أبوه هذا منه قال له: فلك أربع حوائط ( بساتين) وكتب بذلك كتاباً وأشهد عليه. .
وعرف قيس بأنه كان يطعم الناس في أسفاره مع النبي (ص) ، وكانت لقيس بن سعد صحفة يدار بها حيث دار وكان إذا نفد ما معه تدين، وكان ينادي في كل يوم: هلموا إلى اللحم والثريد.
و وقفت على قيس بن سعد عجوز، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان، فقال قيس: ما أحسن هذه الكناية! املؤوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمراً.
و في رواية ابن عبد البر في الاستيعاب قال لها: ما أحسن ما سألت! أما والله لأكثرن جرذان بيتك، فملأ بيتها طعاماً وودكاً ( دسماً) . .
و كان قيس إذا جاءه من يرد له دينه يقول له: إنا لا نعود في شيء أعطيناه؛ أو إنا قوم إذا أعطينا شيئاً لم نرجع فيه، وذلك لما أقرض رجلاً ثلاثين ألفاً فجاء يقضيه.
وفي رواية أنّ قيس بن سعد باع أرضاً من معاوية بتسعين ألفاً، فقدم المدينة فنادى مناديه: من أراد القرض فليأت، فأقرض منها خمسين ألفاً وأطلق الباقي، ثم مرض بعد ذلك فقل عواده، فقال لزوجته: قريبة بنت عتيق أخت أبي بكر: إني أرى قلة من عادني في مرضي هذا، و إني لأرى ذلك من أجل مالي على الناس من القرض، فبعث إلى كل رجل ممن كان له عليه دين بصكه المكتوب عليه، فوهبهم ماله عليهم؛ وقيل: إنه أمر مناديه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دين فهو منه في حل، فما أمسى حتى كسرت عتبة بابه من كثرة العواد.
و في خبر لما مرض قيس فاستبطأ إخوانه عن عيادته، سأل عنهم، فقيل: إنهم يستحون مما لك عليهم من الدين، فقال: أخزى الله مالاً يمنع الأخوان من الزيارة، ثم أمرمنادياً لينادي: من كان لقيس عليه دين، فهو في حل منه، فكسرت درجته بالعشي لكثرة من عاده.
و قد عرف جمع من الأشراف بالكرم، فغدا الناس يتحدثون بسخائهم و جودهم، و كل فريق يبالغ في وصف من يراه الأكرم والأسخى، فعن خبر الهيثم بن عدي أنه اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمنهم، فقال أحدهم: عبد الله بن جعفر، وقال الآخر: قيس بن سعد، وقال الآخر: عرابة الأوسي، فتماروا في ذلك حتى ارتفع ضجيجهم عند الكعبة؛ فقال لهم رجل: فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من غيره، فلينظر ما يعطيه و ليحكم على العيان.
فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه، فوجده قد وضع رجله في الغرز ليذهب إلى ضيعة له، فقال له: يابن عم رسول الله ابن سبيل ومنقطع به؛ قال: فأخرج رجله من الغرز وقال: ضع رجلك واستو عليها فهي لك بما عليها، وخذ ما في الحقيبة، و لا تخدعن عن السيف فإنه من سيوف علي، فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة، وإذا في الحقيبة أربعة آلاف دينار، ومطرف من خز وغير ذلك، وأجل ذلك سيف علي بن أبي طالب.
و مضى صاحب قيس إليه فوجده نائماً، فقالت له الجارية: ما حاجتك إليه؟ قال: ابن سبيل ومنقطع به. قالت: فحاجتك أيسر من إيقاظه، هذا كيس فيه سبعمائة دينار ما في دار قيس مال غيره اليوم، واذهب إلى مولانا بغلامينا في معاطن الإبل فخذ لك ناقةً وعبداً، واذهب راشداً. فلما استيقظ قيس من نومه،