119عليا قد صاغها خيال محلق. وَالَّذِينَ تَبَوَّأوُا الدَّارَ والإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي دار الهجرة، يثرب مدينة الرسول (ص) وقد تبوأها الأنصار قبل المهاجرين، كما تبوأوا فيها الإيمان، وكأنه منزل لهم ودار، وهو تعبير ذوظلال، وهو أقرب ما يصور موقف الأنصار من الإيمان، لقد كان دارهم ونزلهم ووطنهم الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم، ويثوبون إليه ويطمئنون له، كما يثوب المرء ويطمئن إلى الدار.
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ ولاَ يجِدُونَ فىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أوُتوُا ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثاً جماعياً كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلاّ بقرعة، لأنّ عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين!
ولاَ يجِدُونَ فىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً ممَّا أوُتوُا
مما يناله المهاجرون من مقام مفضل في بعض المواضع، ومن مال يختصمون به كهذا الفيء، فلا يجدون في أنفسهم شيئاً من هذا، ولايقول: حسداً ولا ضيقاً، إنما يقول: " شيئاً " مما يلقي ظلال النظافة الكاملة لصدورهم والبراءة المطلقة لقلوبهم، فلا تجد شيئاً أصلاً.
ويُؤْثِرُونَ عَلىَ أنْفُسِهِمْ ولَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ إليها الأنصار بما لم تشهد البشرية له نظيراً، وكانوا كذلك في كل مرة وفي كل حالة بصورة خارقة لمألوف البشر قديماً وحديثاً.
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فهذا الشحّ، شحّ النفس، هو المعوق عن كل خير؛ لأنّ الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، بذل في العاطفة، بذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، وما يمكن أن يصنع الخير شحيح يهم دائماًً أن يأخذ ولا يهم مرةً أن يعطي، ومن يوق شح نفسه، فقد وقي هذا المعوق عن الخير، فانطلق إليه معطياً باذلاً كريماً، وهذا هو الفلاح في حقيقة معناه". 1وفعلاً بذل الأنصار المال والعاطفة والجهد والحياة. . فنالوا منزلة الفلاح كما شهدت بذلك السماء.
* موقفاً شهدت به الأخبار، حين تعاضدت فيه كلمته وكلمة زعيم الأوس الصحابي الجليل سعد بن معاذ الأنصاري حينما عرض عليهما رسول الله (ص) ما توصلت إليه المفاوضات مع كل من عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، التي شاركت مشاركةً فعالةً مع مشركي قبائل قريش في غزوة الخندق، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلاّ المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول الله (ص) أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله! أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلاّ لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسرعنكم شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: