167و أهم ما يدل عليه المقطع: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ هو أهمية أداء عبادتي الحج والعمرة وإتمامهما، وليس هذا فقط بل بتجريد التوجه بهما لله سبحانه وتعالى. . أي بإخلاص النية فيهما لله تعالى لا لغيره وبعيداً عن السمعة والرياء والشك والمعاصي. .
فقد جاء قوله: لله بعد الأمر بالإتمام، وهو ما يشير إلى أن المقصود من أداء هذين النسكين، وجه الله فحسب، وأنه لا ينبغي لمن يقوم بهما أن يقصد غير ذلك من متاع الدنيا، وهذا شأن العبادات خاصة، وأعمال المسلم عامة، فلا ينبغي أن يقصد بها غير وجه الله سبحانه، فهو المقصود أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، قال تعالى: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (31) وقال أيضاً: وَ ما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (32)
يقول القرطبي في تفسيره الآية: وفائدة التخصيص بذكر الله هنا أن العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتناضل والتنافر وقضاء الحاجة وحضور الأسواق، وكل ذلك ليس لله فيه طاعة، ولا حظ بقصد، ولا قربة بمعتقد، فأمر الله سبحانه بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في التجارة. .
ثم واصل كلامه قائلاً: لا خلاف بين العلماء فيمن شهد مناسك الحج وهو لا ينوي حجاً ولا عمرة - والقلم جار له وعليه - أن شهودها بغير نية ولا قصد غير مغن عنه، وأن النية تجب فرضاً، لقوله تعالى: وَأَتِمُّوُا ومن تمام العبادة حضور النية، وهي فرض كالإحرام عند الإحرام لقوله (ع) لما ركب راحلته: « لبيك بحجة وعمرة معاً. . .» ثم احتج بقوله (ص) : «إنما الأعمال بالنيات» . انتهى القرطبي من قوله.
يؤيد هذا قوله تعالى: وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (33) ، حيث إن إبطال العمل من أسباب وقوعه عدم صدق النية وعدم إدامتها ما دام العمل قائماً، ويستأنس في هذا بما خلاصته «إن أحب الدين إليه تعالى ما داوم عليه صاحبه» . كما أن إخلاص النية ركن صحة العبادة وقبولها من قبله تعالى، لهذا جاءت الآية: وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلهِ لله فقط لا لغيره، وهذا الإخلاص ينطبق على جميع العبادات كالصلاة والصيام وغيرها.
وختاماً: إن لكل من الحج والعمرة أحكاماً وأجزاء وشروطاً و آداباً وردت في الشريعة الإسلامية، راح الإمام أبو عبد الله جعفر الصادق (ع) يشرح خصوصياتهما بما لا مزيد عليه، حتى نسب إلى أبي حنيفة أنه قال:
«لولا جعفر بن محمد ما عرف الناس مناسك حجهم» . (34)
وقد توفرت كتب الحديث والفقه على كل هذه الأمور لهذين المنسكين المباركين اللذين جعلهما الله تعالى محطة خير وعطاء يتزوّد الناس فيهما ومنهما التقوى: وَ تَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَ اتَّقُونِ يا أُولِى الأَْلْبابِ (35) ، وباباً واسعاً لرحمته وغفرانه ورضاه، خصوصاً وقد اجتمعت فيهما أبعاد العبادات الروحية والبدنية والمالية وأهدافها ومقاصدها، مما يجعلهما قادرين على تلبية الزاد بكل مفاصله وأبعاده الروحية والمادية والاجتماعية. . للأفراد والجماعات والأمم. .
1) البقرة: 196.
2) سورة آل عمران: 96.
3) الحج:27.
4) آل عمران: 96.
5) البقرة: 125.
6) الحج: 26.
7) حاشية ابن عابدين نقلاً عن ابن القيم 190:2.