147النصوص من الاختلاف والتنازع، لأن هذه الأمراض إن وقعت تنخر كيان الأمة وتجعله هشيماً متفتتاً، قال تعالى: وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (1)
وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود2 أنه قال: كان رسول الله (ص) يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم .
والحج يشكل في كل عام موسماً عبادياً عظيماً، تتجسد فيه تلك الطاعة لله سبحانه وتعالى ورسوله (ص) عبادة وأخلاقاً وسيرة، وتنبثق بسببها وحدة المسلمين وقوتهم في أحسن مظاهرها وأبهى حللها، حيث تذوب الفوارق، وتتلاشى الحواجز، ويجتمع المسلمون في مشهد رائع أخّاذ، يبعث على السرور، ويسعد النفوس، ويبهج الأرواح والقلوب.
والحج كما صرح القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، إلى جانب كونه عبادة وتقرباً إلى الله سبحانه، وإلى كون العبادة ظاهرة واضحة تحيط أجواءه وساحاته ومعالمه، فإنه لا يلغي ولا يقلل ما يتضمنه من منافع اجتماعية وفوائد ثقافية، واقتصادية وسياسية، وتربوية، تساهم في بناء المجتمع الإسلامي، وتزيد في وعيه وتوجيهه، وتساهم في حل مشاكله، وتنشيط مسيرته. . بل على العكس يوجدها وينميها ويدعو إليها ويحث عليها. .
والحج يذكرنا بمن سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله تعالى ورسله صلوات الله تعالى عليهم، ويذكرنا بعباده الصالحين وبالشهداء؛ ويتذكر الصحابة الغر المنتجبين رضي الله عنهم، وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين الحنيف.
فيشعر كل منا بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون.
ويتذكر أن هذا البيت الذي يطوف حوله والمسعى الذي يسعى فيه والمعالم الأخرى ما كانت لتصل إليه لولا إرادة الله عز وجل وجهود الأنبياء والأئمة والشهداء والصالحين. .
والحج موسماً وفريضة هو ذلك النموذج الفذ والذي يعد مظهر وحدة المسلمين وقوتهم، فهم يشهدون في موسم الحج أروع مظاهر المساواة والتواضع والأخوة الإنسانية، عبر إلغاء كل ما من شأنه التمييز والطبقية والتعالي، وعبر خلع أسباب الظهور الاجتماعي كالأزياء مثلاً، ثم الظهور باللباس العبادي الموحد، حيث يحس الجميع أنهم بلا فوارق، وبالتالي يحسّون بوحدتهم وبالأخوة والمساواة. .
والحج تظاهرة إيمانية رائعة تشترك فيها صنوف متعددة من الأجناس والفئات والطبقات والقوميات على موعد واحد، وفي أرض واحدة، يرددون هتافاً واحداً، ويمارسون شعاراً واحداً، ويتجهون لغاية واحدة، وهي الإعلان عن العبودية والولاء لله وحده، والتحرر من كل آثار الشرك والجاهلية، بطريقة جماعية حركية، تؤثر في النفس، وتشبع المشاعر والأحاسيس بالإيمان وآثاره، وبمداليل التوحيد وثمارها. .
والحج يستشعر فيه المسلمون وحدة البشر ووحدة الأرض، فتنهار بينهم الحدود التي صنعتها الأنانيات والأطماع الإقليمية والقومية والعنصرية. فهم يأتون من كل فج عميق من كل طريق بعيد ومكان ناء، يقطعون آلاف الأميال، ويخترقون كل الحواجز والحدود والبحار والمحيطات، ويجتازون كل الموانع التي صنعها الأعداء على أرض الله سبحانه وتعالى، استجابة لنداء العقيدة وتلبية لهتاف الإيمان وتلبية لدعوة شيخ الأنبياء إبراهيم (ع) الحية الباقية الخالدة. .
والحج يلتقي فيه المسلمون بمؤتمرهم الكبير، فيتذاكرون في شؤونهم، ويتشاورون في أمور حياتهم وعقيدتهم، ويتبادلون الخبرات والتجارب والآراء والعادات الحسنة. ويتعرف بعضهم على مشاكل بعض، ويطلع بعضهم على رأي بعض، ويتعرف بعضهم على أخبار بعضهم الآخر، فيزداد الوعي، وتنمو المعرفة، وتشحذ الهمم من أجل الإصلاح والتغيير والاهتمام