129وترد هذه الرواية بتفصيل أكثر ووضوح أشد عند أبي حنيفة الدينوري (282ه-) بعد ذكره لوقعة المذار* بين جيش مصعب بن الزبير والمختار الثقفي، إذ ذكر إسم عمر بن علي فيمن قتل في هذه المعركة من الأشراف، حيث قال: «وقتل عمر بن علي بن أبي طالب، وذلك إنه قدم من الحجاز على المختار فقال له المختار: هل معك كتاب محمد بن الحنفية؟ فقال عمر: لا ما معي كتابه، فقال له المختار: انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي، فخرج من عنده وسار إلى مصعب فاستقبله في بعض الطريق فوصله بمائة ألف درهم، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة فقتل فيمن قتل من الناس» (56) .
وعلق العمري النسابة (490ه-) على تلك الروايات آنفة الذكر بما نصه: «ووجدت في بعض الكتب أن عمر شهد حرب المصعب بن الزبير، وكان من أصحابه، وأنه قتل بمسكن، وهذه رواية باطلة بعيدة عن الصواب. . . ومما يدلل على بطلان ذلك أنه خاصم ابن أخيه حسناً إلى بعض بني عبد الملك في ولايته في صدقات علي (ع) ، وهذا يزعم أنه مات من جراح أصابته أيام مصعب، ومصعب قتل قبل أخيه عبد الله، وعبد الملك حي، وما ولي أحد من بني عبد الملك إلا بعد موت أبيه، فهذه مناقضة» (57) .
والظاهر أن هؤلاء المؤرخين قد اختلط عليهم اسم من قتل في حروب المختار ومصعب من أولاد أمير المؤمنين، إذ إن أغلب المصادر تشير إلى أن من قتل في المذار هو عبيد الله بن علي (58) ، حتى أن بعض تلك المصادر، تجعل من حادثة مقتل عبيد الله بن علي تصديقاً لما أخبر به الإمام علي (ع) من مصير إبنه هذا، إذ قال له: «كأني بك وقد وجدت مذبوحاً في خيمته» (59) .
لم تتضح شخصية عمر الأطرف بتلك المواقف فقط؛ بل نجده قد أشاع كثيراً من الأحاديث والروايات التي رواها في فضائل أبيه الإمام علي (ع) ومناقبه العظيمة، ولاسيما ماكان منها أيام رسول الله (ص) ، إذ حفلت المصادر المتقدمة بمجموعة مهمة من الأحاديث والروايات مسندة إلى عمر الأطرف، حتى أن أحداً من علماء الإمامية المتقدمين (أبو بكر الجعابي المتوفى سنة 364ه-) ****، قد جمع تلك الأحاديث والروايات في مصنف مستقل سماه: (مسند عمر بن علي بن أبي طالب) (60) ، ولأجل ذلك عرف عمر بأنه أحد التابعين ورواة الحديث وممن حمل العلم عنه (61) .
وفاته:
توفي عمر الأطرف حسبما أكدت بعض المصادر ب- (ينبع*****) حتف أنفه عن عمر ناهز 85 سنة (62) ، ولكن ابن عنبة حصر عمره بين 75و77سنة (63) ، مع العلم أن محمد بن اسماعيل البخاري (254ه-) قد حدد عام (92 ه-) سنة لوفاة عمر بن علي؛ لرواية سمعها من أحد معاصريه (64) .
وهذه الرواية الأخيرة أرجح من غيرها، لما ذكرته بعض المصادر التي ترجمت لعمر الأطرف، أنه عاش إلى أيام الوليد بن عبد الملك، واختصم عنده في صدقات أبيه (65) . فإذا ما علمنا أن الأخير حكم من سنة 86 - 96ه-، فتكون تلك الرواية أقرب للواقع من غيرها.
أما بخصوص ينبع ومحلها كموضع للمثوى الأخير لعمر الأطرف فهو أمر أقرب للصواب، إذ كانت بها أوقاف الإمام علي (ع) حسبما تشير المصادر البلدانية (66) ، وهي نفسها صدقاته (ع) التي تنازع عليها ولده عمر مع أولاد إخوته الحسن والحسين (عليهم السلام) ، والتي أشرنا إليها آنفاً.