97
علماء الحرم الشريف، نشر النور والزهر نموذجاً
أ. د . أبوبكر أحمد باقادر
مصادر التاريخ المكي
ربما كانت مدينة مكة من أكثر مدن العالم التي حظيت بالتواريخ والاهتمام بتدوين ما جرى ويجري فيها . والكتابات التاريخية عن المدن الإسلامية عموماً ومكة خصوصاً ليست على طراز أو أسلوب واحد . بل يمكننا الادعاء بأن هناك أكثر من «جنس كتابي» للتأريخ عن المدن العربية المسلمة . فهناك ما يمكن أن نسميه تاريخ المدينة عبر تاريخ سكانها وهو فن طوره المسلمون واعتنوا به وحظيت مكة بالعديد من كتب التاريخ التي تناولت رجالات وسكان ومجاوري مكة المكرمة . بعض هذه الكتابات يدخل في كتب التاريخ مباشرة وبعضها في مجالات قريبة مثل المغازي والسير
وكتب رجالات الحديث والطبقات العلمية عموماً . لكن مكة حظيت مع ذلك بكتب «تاريخية» سجلت أهم رجالاتها، ولعل كتاب «العقد الثمين» وما تلاه من مصنفات تاريخية تواصلت حتى قرون متأخرة جداً لتنتهي بنشر النور والزهر وإفادة الأنام للغازي تمثل هذا «الجنس الكتابي» الهام . وفي هذه المتون التاريخية الهامة، تورد أسماء الشخصيات مبوّبة بحسب الترتيب الأبجدي للاسم الأول مع تفاصيل عن سيرة صاحبها، وتقصر بحسب المتوافر من معلومات.
وهناك ما يمكن أن يسمى بالسجل التاريخي السنوي، وفيه رصد بأهم الوقائع والأحداث والأسماء تذكر مفصلة في كل عام، وهذا النوع من التسجيل يقدم صورة دينامية حية للوقائع والأحداث التاريخية وربما علّل أسبابها المحلية والدولية، من أمثلة هذه الكتابات كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» وما تلاه من كتب على منواله . وكما أوضحنا فإن هذا الجنس الكتابي يمكن أن يكون مكمّلاً وموضحاً لجوانب تتخطى مسألة الترجمة للأعيان من علماء ومفكرين وفقهاء، كما هو اهتمام الجنس السابق . ويصور جوانب تفصيلية من حياة المدينة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية مفصلة من عام لآخر، ومن ثم فإنها توفر معلومات عن التحولات والتغيرات التي مرت وتمر بها المدينة.
وهناك جنس كتابي ثالث يهتم بالتأريخ للسياسة ورجالاتها ومن ثم الأحداث السياسية في حياة المدينة المقدسة، ومن هذه الكتابات كتب «غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام» . وهنا نجد بسطاً للسياقات والأوضاع السياسية التي ربما فسرت وجود أشخاص معينين أو قيام مؤسسات ما ونحو ذلك في مكة.
بالإضافة إلى وجود العديد من الكتابات التي قدمت تراجم لمن تولوا سدة الحكم في مكة، لعل من أحدثها ما كتبه الدحلان «حكام مكة»، والعديد من الكتب التي لم تكتف بذكر ولاة مكة وإنما أوردت معلومات عن من ولي إمارة الحج من أوطانهم إلى مكة ومن حج من أمراء المؤمنين والخلفاء والسلاطين المسلمين على مر التاريخ . وبذلك يمكن للمطلع على هذه الكتابات التاريخية أن يتزوّد بنظرة تفصيلية تؤكد على حيوية هذه المدينة وحيوية ما يدور فيها، ولو أثناء الموسم.
ومن الكتابات التاريخية ما يمكن تسميته الكتابة التاريخية الشاملة، ومن أبرزها ما دبجته أقلام الأزرقي والفاكهي، انتهاء بالسباعي من تواريخ عامة للحياة الاجتماعية والاقتصادية في مكة . ولقد سعى العديد من الأدباء في مكة في العقود الأخيرة إلى تسجيل جوانب ثقافية من حياة مكة والمكيين غدت أثراً بعد عين من هؤلاء الرفيع والسباعي والمغربي وسواهم.
ومكة حاضرة بقوة في العديد من التواريخ الخاصة، مثل كتب الطبقات، وبالذات في كتب طبقات الفقهاء والمفسرين . فهناك مدارس علمية هامة قامت ولا يزال إشعاعها مستمراً بإذن الله في هذه العلوم الإسلامية.
ولقد توافرت في كافة لغات العالم، ومن أبرزها العربية، كتابات شخصية حميمة عن مكة، أسميتها بأدب الحج وهي تدور في فلك أدب الرحلة الحجازية، يصور فيها أصحابها رحلتهم «حجهم» إلى هذه المدينة العظيمة . ولن نكون مبالغين إن قلنا: إن هذا الجنس الأدبي/ لثقافي لا يزال جنساً مجهولاً وما نعرفه من أدب الرحلات هو أقل القليل وينبغي بذل جهود كبيرة لاكتشاف ما يمكن أن يقدمه هذا المنجم بالمعلومات . ولا يقتصر الأمر على الكتابة الفصحى الرفيعة، فالأدب الشعبي غني جداً بما ذكر من أحاسيس ومشاعر ومعلومات عن هذه المدينة الخالدة.
ورغم أن العقود الثلاثة الماضية شهدت نشاطاً مشكوراً لنشر العديد من هذه المدونات التاريخية في طبعات محققة وتقدم الفهارس الميسرة للباحث أو الدارس، إلا أن هذه الجهود، مع تقديرنا الكبير لها، لاتزال في أول الطريق والحاجة ماسة جداً لمزيد من التبويب والفهرسة ومن ثم تسهيل توافر المعلومات للباحثين . فكما هو معروف هذه المتون التاريخية بالصورة التي كتبت بها تشكل فقط مادة أولية غنية، لكنها مادة أولية تتطلب التحليل والسير والحفر والأبحاث التاريخية التي تنطلق من أسئلة إشكالية هذه المتون تقدم لها المادة العلمية للإجابة عنها.
وهذه المعلومات، تشتكي كما هو واقع الحال في حال أي بيانات أولية من النقص وتضارب المعلومات أو تناقضها أحياناً . كذلك بوصفها بيانات أولية، الحاجة ماسة لمقارنتها وضبطها من أجل الوصول إلى ما يسمى «بيانات نوعية» يمكن اعتمادها في أي تحليل . ولا مانع للوصول إلى ذلك عبر النصوص الواردة في مظان عديدة أو بالإحالة إلى الشواهد المادية الإشارية ونحو ذلك . وربما كانت الحاجة ماسة من أجل سرعة الحصول على البيانات والمعلومات، أن تدخل في الحاسوب، بحيث يمكن للباحثين استرجاعها بسهولة عند الطلب من ناحية ومراجعتها في العديد من المصادر العلمية، ومن ثم الخروج ببيانات موثقة تاريخياً.
تاريخ مكة الثقافي والاجتماعي
رغم وجود العديد من المحاولات لتقديم دراسات تاريخية حديثة عن مكة المكرمة، لكن مع ذلك بإمكاننا القول: إن المكتبة التاريخية المكية لم تظفر بعد بالدراسات الحديثة التي تقدم لمكة نصوصاً تستخدم الأساليب التاريخية الحديثة . وعمليات التحقيب التاريخي، بحيث يمكننا الحديث عن فترات تاريخية قديمة وأخرى وسيطية وحديثة، لا تزال مناطة بالأفكار العامة عن التاريخ الإسلامي، وهي في ذلك افتراضية وليست دقيقة، تعتمد على شواهد ووثائق تاريخية علمية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الدراسات التاريخية الكمية لم تعرف طريقها بعد بشكل واضح لمعالجة هذه النصوص والمتون التاريخية . فكما هو معروف هناك أساليب ووسائل علمية جديدة تسعى إلى تحويل البيانات والمعلومات الواردة في المتون التاريخية العامة إلى أرقام، حتى يسهل تبويبها ومن ثم معالجتها . فمثلاً يقدم لنا المؤرخ والباحث الأمريكي في التاريخ الإسلامي المبكر روبرت بوليه؛ دراسات كمية عن فتوحات بلاد الشام ومصر، وعن طريق هذه المحاولات التاريخية الكمية تمكّن من إبراز العديد من الأسئلة والقضايا من ناحية وتمكن أيضاً من لفت النظر إلى أن عملية الأسلمة تمت تدريجية وأوضح كيفية انتشار اللغة العربية وأمور أخرى عديدة.