277قال ابن دقيق العيد في شأن أعمال الحج وأسراره: «وفي ذلك من الحكم تذكر الوقائع الماضية للسلف الكرام، وفي تذكرها مصالح دينية، إذ يتبين في أثناء كثير منها ما كانوا عليه من امتثال أمر الله تعالى، والمبادرة إليه، وبذل النفس في ذلك، وبهذه النكتة يظهر لك أن كثيراً من الأعمال التي وقعت في الحج، ويقال فيها : إنها تعبدية فقط ليست كما قيل، ألا ترى أنا إذا فعلناها وتذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تذكر الأولين، وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله فكان هذا التذكر بامتثالنا على مثل ذلك، ومقرر في أنفسنا تعظيم الأولين، وذلك معنى معقول، مثاله:
السعي بين الصفا والمروة، إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها، وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش، منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية، مع ما أظهره الله تعالى لهما من الكرامة، والآية في إخراج الماء لهما، كان في ذلك مصالح عظيمة، أي في التذكر لتلك الحال،
وكذلك رمي الجمار إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده، يحصل من ذلك مصالح عظيمة في النفع في الدين» 1.
البعد الوحدوي لرحلة الحج
قلنا : إن البعد الوحدوي نجده في كل أبعاد هذه الرحلة ومميزاتها وهي تصوغ الإنسان المؤمن روحياً وسلوكياً وأخلاقياً، فتجعل منه قاعدة لوحدة مجتمعه ثم أمته، ومع هذا جعلت هذه المقالة هذا البعد بعداً مستقلاً لفائدته ولتوضيحه بمقطع مختصر :
إن اجتماع الحجيج من أرجاء