275العقيدة أقوى من السياسات، وأن ما يجمع المسلمين كشعوب أكثر من فلسفات الفرقة التي تبتكرها أباطيل السياسة، وتلافيف متاهاتها المظلمة.
إن الحج رحلة باتجاه قراءة السيرة والتاريخ، وعودة للتزود من المنبع الأصلي، ومشاهدة لأرض النبوة، ورصد لحركة الدعوة عن قرب، واستعادة للتألق التاريخي لنقاط الارتكاز التي قام عليها المجتمع المسلم والحضارة الإسلامية مما ينشط الذاكرة ويحددها، ويعيد الفاعلية للجوانب الضامرة من عاطفة الإنسان وفكره بعد رحلة زمنية بعيدة.
إننا نسمع اليوم عن مجموعات من المؤرخين والجغرافيين وعلماء الاجتماع والأديان، يحاولون التوغل في العمق التاريخي، ويستحضرون الظروف والملابسات التي رافقت الأحداث، وذلك لتخليص المسار الحضاري مما علق به؛ في محاولة للوصول إلى الحقيقة، وبعث الأمجاد، وشحذ الهمم من خلال العيش في نفس الظروف التاريخية. فهناك عدد من الرحالة الأوروبيين يحاولون السير على نفس الطريق الذي سارت عليه الحملات الصليبية، ويلبسون لباس تلك الفترة، كما نسمع عن آخرين يشدون الرحال لاقتفاء آثار المكتشفين الجغرافيين، وما ذلك إلا ليتوفر للفكرة التي يعيشها الإنسان الظروف التي نبتت وترعرعت فيها تلك الفكرة.
ولكن هذه العودة إلى الماضي وإن كانت ضرورية فيجب أن تقدر بقدرها؛ فإذا كان التشبث بالتاريخ واللجوء إليه للوقوف أمام العواصف التي تحاول اقتلاع الجذور ضرورياً، فلا يعني ذلك الغياب في الماضي على حساب الحاضر والمستقبل، لأن تلك الغيبوبة تصبح موتاً مع وقف