23وتنزل الرحمة الإلهية عليهم، وفي هذه الحالة لماذا يقال: بدا لله؟ فيما يفترض أن نقول: أبدى الله ما أخفاه؟ فالجواب: هو أن البشر يتحدثون عما يرونه، فحيث كان هذا الواقع بنظرهم ظهوراً بعد الخفاء، فإن الاستنتاج الأولى لهم يصوغونه في جملة: بدا لله، وإلا لابد من القول - انطلاقاً من العقائد والأصول المسلّمة - : بدا من الله.
إن هذا النوع من الاستعمالات كثير في القرآن الكريم، ونذكر هنا مورداً واحداً؛ حيث يتحدث القرآن عن المنافقين، فيقول: وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللّٰهُ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الْمٰاكِرِينَ 1؛ فمن المسلّم أن عمل المشركين كان حيلةً، فيما لا يكون عمل الله حيلة والعياذ بالله، وإنما يبطل سبحانه حيلهم، لكن حيث جرى التعبير عن عملهم بالمكر، بيّن فعل الله باستخدام الكلمة نفسها، كي يكون هناك نوع من التناغم والتناسق في الحوار والمجادلة، وهذا ما يسمّى في الاصطلاح البلاغي بالمشاكلة التي تعطي الكلام جماله ورونقه.
ومن هذا المنطلق، عندما تحدث رسول الله(ص) عن الأشخاص الثلاثة من بني إسرائيل الذين كانوا يتعذبون: واحد بالقرع وآخر بالعمى، وثالث بالبرص، وأن الله رفع عن كل واحد منهم بلاءه؛ فأعطى الأول شعراً جميلاً، والثاني عيوناً ناظرة مبصرة، والثالث جلداً نابضاً نضراً، وعندما لم يشكر بعضهم هذه النعمة الإلهية أخذها الله منه؛ لأنه لم يكن ليقوم بواجباته ومسؤولياته مقابل هذه النعم الربانية، في هذه القصة نجد رسول الله(ص) يعبّر:
«بدا لله في الأقرع والأبرص...» 2، والعلّة في هذا التعبير هو ما قلناه قبل قليل.
...عندما سمع عبدالعزيز هذا البيان كلّه قال: آتني بكتاب من قدماء