160نفسه ذكر في آية البغي التي ستأتي إن شاء الله تعالى، أن حرباً قد تنشب في الداخل الإسلامي، ويتحمّل مسؤوليتها فريق واحد، بل الآية تأمر بمقاتلة الباغي، فلا تحثّ الآية على الفرقة والتنازع، بل تأمر بقلع مسبّبيهما، وبالجمع بين الآيات يظهر أنّ المقصود إدخال عنصر البغي في ظاهرة التمزّق، دون أن تقول: إن كل تمزّق تنساق الأطراف كلّها فيه لأهوائها؛ فقد يبغي فريق في بدايات الدعوة الدينية، فيوقع التنازع في الأمة، وتنقسم الأمة إلى فِرَق، فالبغي هنا كان مسبِّباً للفُرقة، لكن لا يعني اتهام الجميع ولا تمام الأجيال بأنّ انقسامها كان عن بغيٍ منها.
ولعلّ ذيل الآية الأخيرة يوحي بتأثير الأجيال على بعضها، فهي تقول: وَ إِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتٰابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ، أي أنّ الأجيال الأولى اختلفت - بعد العلم - عن بغي وهوى، أما الذين أورثوا الكتاب بعد تلك الأجيال فقد عصف بهم الشك والرّيب، وتركت نزاعات السابقين أثرها السلبي على الأجيال اللاحقة، فبعثت فيها الشك، حتى لم تعد تؤمن بكتابها حقّ الإيمان، وهذا - في نقطة المبدأ - أحد التفسيرات المشار إليها في هذه الآية، كما يظهر من بعض التفاسير 1.
إذن، فقد يجني البغي المسبّب للفرقة الدينية على الأجيال اللاحقة؛ فيورثها الشك والريب في الدين، وليس ذنبها، بل قد تكون مستضعفةً حتى لو كانت تناصر هذا الفريق أو ذاك.
5- 2 - إضفاء مفهوم العذاب على الفُرقة والتناحر
تشير الآية الثالثة المتقدّمة إلىأنّ أنواع العذاب الإلهي متعدّد،