159وقيم السماء الرفيعة؛ لهذا نصّت الآية على تبرّي رسول الله(ص) من المفرّقين والمنشعبين فقالت: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَ كٰانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمٰا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّٰهِ ، ولا معنى لهذا التبرّي إذا كانت الفُرقة نتاجاً دينياً؛ فهذا خير دليل على أن الفرقة نتجت عن سوء بشري في التعامل مع الدين ومع غيره، وهذا ما تؤكّده الآيات الكريمة: وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ 1، و إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلاٰمُ وَ مَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ 2، و وَ مٰا تَفَرَّقُوا إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ، و وَ مٰا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ 3.
ومن مجمل ما أسلفناه نعرف أنّ حصول الاختلاف والانقسام يكون نتيجة خطأ إنساني أو سوء بشري، وأنّه لا يولّد الدين الفُرقة داخل جماعته على الأقلّ.
4- 2 - ألوان تأثير البغي على سلامة الوحدة الدينية
لا يعني ما تقدّم أنّ الخلاف في الأمة يعني ابتعاد كلّ مذاهبها وفرقها وجماعاتها وآحادها عن الدين، بل الذي تريد الآيات أن تؤكّده هو وجود عنصر البغي الذي أدّى إلى حصول هذا الأمر، وهذا يعني أنه من الممكن أن يكون هناك فريقٌ واحد باغٍ فتحصل الفرقة نتيجة ذلك، حتى لو كان الباقون غير باغين، وربما كان الباقون هم الأجيال اللاحقة التي أتت فيما بعد؛ فالآيات تريد تأكيد المبدأ لا الدفاع عن شموليته واستيعابه.
ويشهد لذلك أنّ القرآن الكريم