287الأمنَ ، والتي بني فيها أول مركز قامت أو تأسّست فلسفته على الدفاع عن حقوق الإنسان ومصالحه ، بحيث لا تجتمع سلطة الغرباء مع التوحيد والكعبة ، أولئك الذين كانوا مدينين لأمن مكة في مختلف الظروف ، من دون أن يستحقوا أو يتمتّعوا بأهلية إحياء وعمران الكعبة .
رواية وسقاية زائري الكعبة ، وإطعام الحجيج ، وكساء الكعبة وسدانتها ، والدفاع عن تلك الأرض ، كانت لبّ وجوهر حضارة مكة ، كما لو أنّها قد أوجدت نظاماً فيما يتعلّق بشؤون بيت اللّٰه وملجأ الناس وتذكار إبراهيم الخليل عليه السلام . مع ذلك كلّه ، فإن غربة متولّي الحرم عن روح الحج وفلسفة بناء الكعبة ، كانت إلى درجة يصدق عليها قول شاعر إيران وخواجة شيراز المفوّه(حافظ):
لقد ضرب الحاجب الجميع بسيف الخمرة ، وأخرج من الحرم خمراً!
لقد شكّلت هذه النقطة المدخل المنطقي للقرآن الكريم للتأكيد على مشروعية الجهاد في عصر البعثة ، وهنا لا نستطيع أن نتطرّق إلى الرموز والدلالات المجهولة للمعارك الدموية التي دفعت أعداء رسول الرحمة صلى الله عليه و آله لاتهامه بالعنف ، والحال أن فلسفة كلّ هذه المعارك لم تكن سوى وضع حدٍّ للحرب والعنف:
«فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا . . .» 1.
أرى أن رسول الرحمة صلى الله عليه و آله وأصحابه قد تلقوا أمراً بالحرب من أجل تحقيق شعار ومبدأ السلام ، ولكي يخلّصوا الإنسان والحضارة الإنسانية من وزر الحرب ، فكيف يمكن اتهام الحرب بأنّها عنف فيما فلسفتها تقوم على السلام والعداء للعنف؟!