35
وأمّا حج أهل الطريقة
بعد القيام بالحج المذكور والاعتقاد فيه ، فهو القصد إلى بيت اللّٰه الحقيقي والكعبة المعنوية بحسب السير والسلوك ، ولبيت اللّٰه عندهم اعتبارات ، اعتبار في الآفاق واعتبار في الأنفس ، أما الآفاق فهو عبارة عن قلب الإنسان الكبير المسمى بالنفس الكلّية والبيت المعمور واللوح المحفوظ ، وأما الأنفس فهو عبارة عن قلب الإنسان الصغير المسمّى بالفؤاد والصدر والنفس الناطقة الجزئية ، وغير ذلك من الأسماء الواردة فيهما ، والأول يتعلّق بأهل الحقيقة؛ لأنّه قبلتهم ، والثاني يتعلق بأهل الطريقة فإنه أيضاً قبلتهم ، أما أهل الحقيقة وكيفية قصدهم وتوجههم إلى قبلتهم فستعرفها بعد هذا البحث إن شاء اللّٰه تعالى .
وأما أهل الطريقة وكيفية قصدهم و توجههم إلى قبلتهم التي هي قلبهم ، فهي موقوفة على تقرير مقدمة ، وهي أنه ورد في الخبر : أن أوّل بيت مدت على الماء وظهرت على وجهه كانت الكعبة ، قبل الأرض وماعليها من البيوت ، وهو قوله عليه السلام : «الكعبة أول بيت ظهرت على وجه الماء عند خلق السماء ، خلقه اللّٰه قبل الأرض بألفي عام ، وكان زبدة بيضاء على وجه الماء فدحيت الأرض تحته» 1 ، وقد شهد بصحة ذلك قوله تعالى :
«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ » 2 .
والمراد من إيراد الخبر والآية أنّك تعرف أن هناك كعبة صورية وكعبة معنوية ، وكل واحدة منهما تنقسم إلى قسمين : أما الصورية فقسم منها المسجد الصوري المسمّى ببيت اللّٰه الحرام ، وقسم آخر القلب الصوري المسمّى أيضاً ببيت اللّٰه