216وصف قطرة ماء تنفصل من الموج الخضم المتلاطم ، ومن ثَم يبقى الحج دائمًا مجالاً يتسع للمزيد من القول أمام هتاف الشعراء ، حين يرون بأعينهم أمواج الحجيج في كل عام ، تتجه - في بعث ونشور - قاصدة بيت اللّٰه الحرام ، تؤدي ما افترض عليها ، وتبغي ميلادًا جديدًا في حياتها ، ميلادًا بعد ميلادها الأول ، ميلادًا يعود فيه الذاهبون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم .
وأنظر إلى الكعبة المشرفة ، يملأ البصر منها نور العين وتملأ البصيرة منها أنوار الروح وأقرأ :
«إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّٰاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبٰارَكاً وَ هُدىً لِلْعٰالَمِينَ * فِيهِ آيٰاتٌ بَيِّنٰاتٌ مَقٰامُ إِبْرٰاهِيمَ وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ » . آل عمران : 96-97 .
لقد دار الزمان واستدار ، وبلغت الروح دار القرار ، قد أسكنتها إرادة اللّٰه بيته الحرام ، وأمكنتها يد القدرة من رحلة العمر وتمام الأمر ، فقد أجاب نداء أبي الأنبياء عليه الصلاة والسلام حين أذّن في العالمين بالحج المبرور إلى البيت المعمور :
«وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالاً وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ » الحج : 27 .
إنها الروح !
التي تهتف :
خذوني خذوني الى المسجد
انها الروح !
ها هي الروح قد حملت البدن إلى تحية هذا البيت ، حباً وإقبالاً ، وتحية وامتثالاً ، فطاف البدن شفاءاً ووفاءاً وقرباً ورجاءاً :
طف بي بمكة إني هدني تعبي
فإن طوافي وسعي واحرامي . . ليمتد إلى مكة بأسرها . . فمكة كلها حرم؛
هنا أمرغ خدي صبوة وجوى
ولماذا كل هذا الحب العاجب والشوق اللاجب . إنه وحسب تصديقاً بكتابك يا رب ، ووفاءاً بعهدك ، واتباعاً لسنة نبيك صلى الله عليه و آله :
هنا بمكة أياللّٰه قد نزلت
وزيارة بيت اللّٰه الحرام لا يهدأ لها أوار ولا يقرّ لها قرار ، إنها هزة الشوق ولذعة التوق ، وعند أعقاب هذا البيت أحيا من جديد :
كم هزني الشوق يا خير الديار
اللهم آمين ، اللهم اكتبها مبرورة مأجورة لكل مشتاق ، واطو اللهم له الديار والأسفار والأعماق ، يا رب يا واهب يا فتاح يا رزاق .
إنها مكة أم القرى ، الأرض التي حرمها اللّٰه فأصبحت للناس حرما آمنا «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا جَعَلْنٰا حَرَماً آمِناً وَ يُتَخَطَّفُ النّٰاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ . . .» العنكبوت : 67 .
موطن الأمن والحمى والجوار
رحمة اللّٰه ظللتها وفيها
وليس بكثير على أم القرى أن تكون عروس المدائن وقِبْلَة العابدين ، فهي البلد الذي اختاره اللّٰه لبيته الحرام واختصه بالتوجيه إليه .