295خامساً : إن الحج تجربة شعبية بعيدة عن تعقيدات الروتين والأبهة والشخصنة ، تضم كل طبقات الناس بما هم مسلمين توخيا إلىٰ ما هم بشر وناس ، وهذا استدعاء موسمي جاد لوحدة المركبات الطبقية والمذهبية والسياسية والنخبوية ، وأن المسافة المقطوعة ليست إلّا تمارين ومثاقفة ، فهو إذن اقتراح إنساني صائب وسديد .
سادساً : إنّ الحج تجربة إبراهيمية صريحة ، ووجود الرمز الإبراهيمي فيها يدل على ضرورة انحياز أتباع الديانات السماوية الثلاث التي تفرعت من الدعوة الإبراهيمية إلى ملةٍ واحدة ، تلك الملة التي لم تزل تتمسك بالحج الإبراهيمي ، هذا فيما يعد غالبية النوع الإنساني على الكوكب إبراهيميون .
سابعاً : الحج تجربة اقتصادية وسياسية ولقاء ثقافي ، مما يكون نموذجاً للسوق الكبرىٰ أو «الجيوبولتيك» ، إذ تتقابل في موسمه المواهب والكفاءات والعقليات والأذواق ، والرساميل والواجهات والإعلاميات التجارية ، وبرامج التسويق ونسب الفائدة ، والمرجعيات الاجتماعية والتراثية ، مما يحدث أرقىٰ حالات المقارنة والتفاضل والتناقد والاستثمار ، وهذا أيضاً مطلب وهدف إنساني .
ثامناً : والحج تجربة اعتراف شعوري بوحدة التوجّه نحو بؤرة الجغرافية الأرضية ، لقد تحولت الكعبة - وعلى المدىٰ - إلى هدف سياسي من أجل صرف الاتجاه العالمي إلى غيرها ، وإقصاء التوجه المستقبلي عن سمتها ، فإذا كان المسلمون المحيطون بها يحرصون على وحدة الاتجاه إلى سمتها (الكعبة) فإنّ المباشرين يحرصون على التوجه إلى قرصها . إن ملاحظة المتوجه من بعيد نحوها نجد أن هناك تقاطعاً وتعامداً في الآفاق ، وهذا معناه أن التباعد والمعطلات الطبيعية هي التي تقف أمام وحدة الاتجاه ، وتجربة المناسك في الحج ليست إلّا إجراءً عبادياً من أجل تقويم وإبراز حالة الحياد أو الانتماء من قبل الطبيعة إلى الإنسان ، وهذا جهد إنساني لم نجد في غير الحج - كممارسة عبادية - حالة الانتماء هذه .