189وكما كانت الحال في العصور الوسطى ، كان وفد الرحمن الماضي إلى بيته يلقى كرم الكرام ولؤم اللئام ، وقد جرى للسعدي في أحد أسفاره قاصداً مكة الحج ما يجري من قطع الطريق عليه ونهب ما معه من مال قليل أو كثير من بين ما نهب من أموال الحجاج ، أو عطاء كرام الناس لفقراء الحجاج صدقة وتقرباً .
يذكر السعدي أن فقيراً زاهداً رافقهم في قافلة الحجاز ، فوهبه أحد أمراء العرب مائة دينار صدقة له أو لمن يراه مستحقاً للصدقة، فقطع لصوص «بنيخفاجة» عليهم الطريق ، ونهبوا كل ما معهم من مال ومواش ، وكان أكثر المنهوبين فجيعةً التجار ، لكثرة مالهم وفساد مالهم ، وهاج الجميع وماج خلا ذلك الدرويش الصالح الذي لم يحرك ساكناً ولم يبد اكتراثاً ، فقال له السعدي : «ألم يسرق اللصوص متاعك ومالك؟ فأجاب : بلى سرقوهما لكني لم آلفهما حتى أتألم لفراقهما 1» .
كل هذا ليؤكد السعدي أن الحاج هو من هاجر إلى اللّٰه ورسوله لا إلى تجارة يخشى كسادها أو زيادة مال اقترفه ، وأن ما يجعل الحج مبروراً أن يكون الحاج تائقاً له بقلبه ، متأهباً بجنانه ، لا بماله وراحلته وبضاعته .
2 - في الحج
وفي الحج وأداء المناسك تلتهب المشاعر وتنهمر العبرات ، وترتفع الأكف طلباً لرحمة الرحمن وعفوه ، وتحاط الكعبة بالطائفين والعاكفين والركع السجود ، وتنطلق الألسنة وتنطق بما تضمره القلوب .
وقد صور السعدي مشهدين من مشاهد هؤلاء الضارعين المبتهلين فقال في أولهما : «درويش را ديدم سر بر آستان كعبه همى ماليد و مىگفت : يا غفور يا رحيم تو دانى كه از ظلوم و جهول چه آيد :