93
إذن، فالكعبة موضوع مهم بما يحمله من آثار طيبة ومعان جميلة في دنيا المؤمنين وفي أخراهم، تتكامل من خلالها عباداتهم، وتسمو بأجوائها نفوسهم، وتقوى بها شوكتهم، وتتآزر بسببها أواصرهم، وتتعمق علاقاتهم بكل مفاصلها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، لهذا ولغيره صارت الكعبة قياماً وعلماً ورايةً خفاقةً تحمل كل مجد وعزة للإسلام وللمسلمين، وهو قول علي عليه السلام عن بيت اللّٰه الحرام: «جعله اللّٰه سبحانه وتعالى للإسلام علماً»
. وفي كلمة أخرى له عليه السلام: «فرض اللّٰه. . . والحج تقربة للدين» حقاً إنه مكان لتقريب الآخرين للإسلام، ومكان دعوة إليه بعرض أفكاره ومبادئه وأحكامه. فيما قال الإمام الصادق عليه السلام: «لا يزال الدين قائماً ما قامت الكعبة»
.
قال علي عليه السلام: «ألا ترون أنّ اللّٰه اختبر الأوّلين من لدن آدم. . .» .
من اللافت أن هذا المقطع وبالذات السطر الأول منه يقرر شيئاً تاريخياً مهماً، وهو أن إبراهيم عليه السلام لم يكن هو المؤسس الأول للكعبة المشرفة، وإنما كانت في زمن آدم عليه السلام وربما كانت سابقة عليه، ولم يبق منها إلا قواعدها أو أسسها، وكل ما قام به نبي اللّٰه إبراهيم عليه السلام أن رفع تلك القواعد بأن بنى عليها بناءه الذي شيده وابنه إسماعيل عليهما السلام. والأدلة على هذا كثيرة: آيات قرآنية وأخرى روائية، جاءت بها كتب الفريقين، وما دامت مقالتنا تختص بما تراه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، نذكر بعض رواياتهم، بعد الآيات الكريمة التالية: «
رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ»
. عند: تدل على وجود شيء سابق، وهي اسم مكان الحضور حقيقة كما تقول جلست عند زيد، ومجازاً نحو عند زيد علم. . . وهذا وجه من وجهين ذكرهما الشيخ الطبرسي في تفسيره للآية حيث يقول «. . . ويسأل فيقال: كيف سماه بيتاً ولم يبنه إبراهيم عليه السلام بعد؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنه لما كان من المعلوم أنه يبنيه، سماه بيتاً، والمراد عند بيتك الذي مضى في سابق علمك كونه. والثاني: إن البيت قد كان قبل ذلك وإنما خربه طسم وجديس 1، وقيل: إنه