89سبعين» 1
. إنّه الوعي الأكمل للعبادة ومفاهيمها العالية، وإنّه الإحساس
الأعمق بآلام الآخرين والاهتمام الأمثل بشؤونهم، وإنه التربية الأخلاقية الرفيعة للعبادات ومنها تكليف الحج، التي تؤكدها هذه المدرسة الطاهرة بخلق إنسان اجتماعي عبر أدائه لمناسك الحج، يكون همه الإحسان للناس واللطف بهم بتفقد حاجاتهم وقضائها أو على الأقل السعي لقضائها، وإشباع ضروريا تهم وإغاثة ملهوفهم وحفظ حرمتهم وكرامتهم ومصالحهم. . . وإلا ما فائدة العبادة إن كانت لا تتعدى أنشطة تؤدى وفعاليات رتيبة اعتدنا على فعلها، ولا تتجاوزها إلى سلوك عملي نافع، و فعل اجتماعي طيب مؤثر، وإلى فضيلة متحركة مغيرة، وإلى أمر بمعروف ونهي عن منكر؟ !
الإمتحان أرضاً وبناءً
إن الحج، مع كونه شرع رحمة للناس، ومكان دعاء لا يقنط العباد من استجابة اللّٰه تعالى لهم فيه، ودار ضيافة موائدها كلها خير وعطاء، إلا أنّه، مع ذلك كله، امتحان شاق للعباد، واختبار دقيق للمؤمنين، راحت تعد له السماء -ولحكمة بالغة قد لا تدرك العقول جل مقاصدها وإن جهدت -موضعاً وصفته الآية الكريمة «
بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ»
، ووصفه أمير المؤمنين علي عليه السلام بهذا النص الرائع: «ألا ترون أن اللّٰه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم - صلوات اللّٰه عليه
- إلى الآخرين من هذا العالم بأحجار لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، فجعلها بيته الذي جعله للناس قياماً» .
هذا وصف للبناء وما يتكون منه: أحجار صماء خالية من كل شعور وإحساس. أما موقع هذه الأحجار فهو بقعة أرض وعرة. . . ، كما عبر عنها أمير المؤمنين سلام اللّٰه عليه:
«ثمّ وضعه بأوعر بقاع الأرض حجراً، وأقل نتائق الدنيا مدراً، وأضيق بطون الأودية قطراً، بين جبال خشنة، ورمال دمثة، وعيون وشلة، وقرى