222
المبحث الرابع: حرمة مكة:
لمكة حرمة عظيمة، وبركة ظاهرة، فهي لا تُقِر طاغياً جباراً على فساده، وظلمه، ولا باغياً على بغيه، وقد ثبت تاريخياً أنه لا مكان فيها لمن ظلم عباد اللّٰه، أو بَغَى عليهم، فمن فعل ذلك أخرجته من ربوعها، وطردته من جوارها، وفي ظلم جُرْهم، وبغيها بمكة، خير مثال على ذلك: فقد كان هؤلاء ولاة البيت، وسكان مكة، وأربابها، فاستحلوا الحرام، وأكلوا مال الكعبة، وظلموا من دخلها، فكانت تجاورهم قبيلة خزاعة، حلولاً حول مكة، فظلموهم، واعتدوا عليهم بالقتال، فاقتتلوا، فجعل الحارث بن عمرو الجرهمي يُنشد، طالباً من ربه النصرة على الخزاعيين، مشجعاً بني قومه على الصمود، حاثاً لهم على القتال:
لا هُمَّ إن جرهماً عبادُك
الناس طُرْف وهمُ تِلادك 1
ولكن النصر كان حليف خزاعة، فاستولت على مكة، وطردت الجرهميين عنها، وفي ذلك قال شاعرهم عمرو بن الحارث الأصغر الجرهمي، مصوراً آثار الهزيمة على نفوس بني قومه، ومدى الذل والهوان والندامة التي لحقتهم، نتيجة ظلمهم لعباد اللّٰه، وترويعهم لسكان البلد الأمين:
كأن لم يكن بين الحَجون إلى الصفا
أنيسٌ ولم يَسمُر بمكة سامر
ولم يتربَّع واسطاً فجنوبَه