165
فقال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: وكيف تهجوهم وأنا منهم؟
فقال: إني أسلُّك منهم كما تُسلّ الشعرة من العجين.
فكان يهجوهم ثلاثة من الأنصار يجيبونهم: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبداللّٰه بن رواحة.
فكان حسان بن ثابت وكعب بن مالك يعارضانهم بمثل قولهم بالوقائع والأيام والمآثر ويعيّرانهم بالمثالب.
وكان عبداللّٰه بن رواحة يعيّرهم بالكفر وينسبهم إلى الكفر، ويعلم أنّه ليس فيهم شرّ من الكفر.
وكانوا في ذلك الزمان أشدّ القول عليهم قول حسان بن ثابت وكعب بن مالك، وأهون القول قول عبداللّٰه بن رواحة. فلما أسلموا وفقهوا الإسلام كان أشدَّ القول عليهم قول عبداللّٰه بن رواحة.
وفي يوم الخندق، حيث كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ينقل التراب حتّىٰ وارى التراب شعر صدره المبارك، راح عبداللّٰه بن رواحة هذا الصحابي الجليل يرتجز قائلاً:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا
وكان ارتجازه هذا تلبية لأمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حينما قال له: أنزل فحرك بنا التراب.
وبعد أن أنشد أرجوزته المذكورة دعا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله له قائلاً: اللهم ارحمه.
وفي شعره وهو يمدح رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله حين يقول:
وفينا رسول اللّٰه يتلو كتابَهُ
هذا لعمري من معاريض الكلام. . .
ونسب لهذا الصحابي لطائف أضحكت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:
فقد كانت لعبداللّٰه بن رواحة جارية يستسرّها سرّاً عن أهله، فبصرت به أمرأته يوماً قد خلا بها، فقالت: لقد اخترتَ أمَتك على حُرّتك، فجاحدها ذلك.
قالت: فإن كنت صادقاً فاقرأ آية من القرآن، وفي رواية: وقد عهدته لا يقرأ القرآن وهو جنب.
فقال من الوافر:
شهدتُ بأنّ وعدَ اللّٰه حقٌّ
وأنّ النار مثوى الكافرينا
قالت: فزدني آية أخرى، فقال:
وأنّ العرشَ فوقَ الماء طافٍ
وفوق العرشِ ربُّ العالمينا
فقالت: زدني آية أخرى، فقال:
وتحملُهُ ملائكةٌ كرامٌ
ملائكةُ الإلهِ مقرَّبينا
وفي ديوانه. . . شدادٌ. . . مؤمنينا
فقالت: آمنت باللّٰه وكذبت بصري.
فأتى ابن رواحة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله فحدّثه، فضحك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله ولم يغيّر عليه.
وزاد في رواية بمعناه، فقالت له: أما إذا قرأت القرآن فإنّي قد عرفت أنه مكذوب عليك.
فافتقدته ذات ليلة، فلم تجده على فراشها، فحبست نفسها، فلم تزل تطلبه حتى قدرت عليه في ناحية الدار، فقالت: الآن صدقت فيما بلغني، فجحدها، فقالت: اقرأ الآيات من القرآن إن كنت صادقاً، فإنك إن كنت جنباً لم تقرأ، فقال