121
استغاثات الكادحين، ولوعة المحرومين، وأنين المعذبين. وتلاحم في شخصيته المثقف والداعية والباحث والمناضل، وذابت الحدود في وجدانه بين النموذجين، بل أمسى الوجه الحقيقي للمثقف في وعيه هو الداعية، وتحولت الثقافة إلى أيديولوجيا، وتمحورت جهوده في «أدلجة الدين والمجتمع» .
يقول شريعتي: «سألني أحد رفاق الدرب: ماهو برأيك أهم حدث وأسمى إنجاز استطعنا تحقيقه خلال السنوات الماضية؟ فأجبته: بكلمة واحدة، هو تحويل الإسلام من ثقافة إلى أيديولوجيا»10.
ما الذي يقصده بالأيديولوجيا؟ وهل يستطيع أن يحتفظ بموقفه المعرفي كباحث، في الوقت نفسه الذي يوسع دائرة الأيديولوجيا، لتشمل الدين والثقافة والمجتمع؟ !
قبل الإشارة إلى ذلك نقتبس نصاً مطولاً من آثاره، يضيء هذا المفهوم، ويحدّد ملامحه في وعيه.
يكتب: (الأيديولوجيا عبارة عن عقيدة ومعرفة عقيدة. وهي بالمعنى الاصطلاحي، رؤية ووعي خاص يتوفر عليه الإنسان فيما يتصل بنفسه، ومكانته الطبقية، ومنزلته الاجتماعية، وواقعه الوطني، وقدره العالمي والتاريخي، وفئته الاجتماعية التي ينتمي إليها. وهي المسوّغة لهذه الأمور، والتي ترسم له مسؤولياته وحلوله وتوجهاته ومواقفه ومبادءه وأحكامه، وتدفعه بالتالي إلى الإيمان بأخلاق وسلوك ومنظومة قيم خاصة، فعلى أساس رؤيتك الكونية، وابتناءً على نمط «علم الاجتماع» و «علم الإنسان» و «فلسفة التاريخ» الذي تحمله، يمكن تحديد ما هي عقيدتك في الحياة، وفي علاقتك بنفسك وبالآخرين وبالعالم؟ كيف ينبغي العيش، وما الذي يجب فعله؟ أي مجتمع يتعين بناؤه، وكيف يتوجب تغيير نظام اجتماعي بشكل أنموذجي، وما هي مسؤولية كل فرد حيال المجموع؟ وما هي صراعاته، وأواصره، وأشواقه، ومثله العليا، وحاجاته، ومرتكزاته العقيدية،