261عمّا كان يحدث في الحرم المكّي خلال موسم الحجّ من حركة علميّة رحلة المحدّث الأندلسي محمّد بن رُشَيْد الفهري (ت721ه / 1321م) ، التي سجّل فيها صاحبها وقائع اللقاءات العلميّة التي حظي بها، وما جمعه من الكتب والأحاديث والمسائل المتفرقات ممّا قلّ أن اجتمع في غيرها من كتب الرحلات.
كانت رحلة ابن رشيد للحجّ سنة 624ه / 1227م، لم يُقِم بمكّة إلّاأقلّ من عشرين يوماً، حيث دخلها في السادس والعشرين من ذيالقعدة وغادرها - قاصداً للمدينة المنوّرة - في الخامس عشر من ذيالحجّة. ورغم ذلك، فقد لقي الرجل من العلماء الكثير، وجمع من مرويّاتهم وكتبهم وإجازاتهم الكثير.
وإنّي لمطمئن لأهمّية اختياري هذا الرجل وهذه الرحلة ليكون عيّنة صادقة لما يقع عادة في المجتمع المكّي من حركة علميّة مباركة في موسم الحجّ. فإنّه لا يكتفي القادمون بالأخذ عن شيوخ مكّة وعلمائها، بل يكون التدابج والأخذ والعطاء بينهم وبين المكّيين وبين الوافدين من مختلف بلادهم واتّجاهاتهم. فيأخذ المغربي عن الهندي ويأخذ الأندلسي عن العراقي، ويأخذ الطرابلسي عن اليمني، ويأخذ المصري عن الشامي وهلمّ جرّاً ممّا يمثّل شبكة من الاتصال توصل الأطراف بالأطراف وتقرّب المتباعدين، ويلتقي بهذا الحرم الأمين العلماء المسلمون من مختلف أقطار الأرض.
فهذا ابن رشيد الفهري السبتي يلتقي في المركب البحري بالفقيه أبيعبداللّٰه المرجاني التونسي وتنعقد المودّة بينهما بعد اتّفاقهما حول قضيّة فقهيّة عرضت في طريقهما إلىٰ عرفات، فتوجّها إليها وقد تماسكت أيديهما 1. وناظر المرجاني فقيه مكّة المكرّمة رضي الدين العسقلاني في مسائل فقهيّة 2.