260من أهل مكّة أو من الوافدين عليها للحجّ، هذا يطلب من ذاك إجازة خاصّة بكتاب أو عامّة بمؤلّفات عديدة، وإذا أردت أن تلمّ بما تفرّق من حصاد المعارف نتيجة لما طالعت وتتبّعت من كتب الحديث لتتذكر بعض ما ورد فيها من مجالس التلقي العلمي، إنّك إن حاولت كلّ ذلك فلن تستطيع أن تؤلّف له إحصاء، ولن تستطيع أن تجمع معه غير القليل القليل ممّا ورد عرضاً في ثنايا المسطورات وبين دفّات الكتاب في مختلف العلوم وأنواع المعارف والعديد من الاختصاصات. فلا نعرف كتاباً - قديماً أو حديثاً - جمع الزاد العلمي المتداول بين أهل المعارف من مختلف البلاد الإسلاميّة في مكّة المكرّمة خلال مواسم الحجّ، فتكتفي بما استقرّ في نفسك كما استقرّ في نفسي بأنّ هذا الزاد المتداول بين الحجيج من طلاب العلم كثير متوافر، وتظهر لك مكّة المكرّمة في صورتها العلميّة البهيجة، فهي عند موسم الحجّ مدرسة علميّة تعجّ بأصوات دروس شيوخها والوافدين عليها علىٰ مختلف لغاتهم، وتكثر فيها دراسات المسائل المتنوّعة وتنتقل فيها المعارف من صدور إلىٰ صدور، ومن أفواه وأفكار متعبدة عاملة إلىٰ آذان ونفوس متعبّدة واعية.
ولو بحثنا عن كتاب يقدّم لنا صورة ومثالاً لما استقرّ بأذهاننا لهذه الحركة العلميّة المكّية خلال الحجّ لما استطعنا أن نظفر بما هو أقرب للواقع ممّا كتبه بعض الرحالة العلماء، وخاصّة أولئك الذين أرادوا أن يسجّلوا تحرّكاتهم العلميّة في موسم الحجّ بمكّة فكتبوا مؤلّفاتهم، لا لتتبّع أخبار وغرائب المدن والقرىٰ، وإنّما سجّلوا رحلاتهم وتنقلاتهم بين وحدات العلم ومؤسساته، وبين كتب المعارف ودفاترها، وبين شيوخ الإقراء ومجامع دروسها، واصفين ذلك بكلّ تدقيق وتفنّن فلم يتحدّثوا عن المباني الشامخة، بل ذكروا شموخ رجال المعرفة ورسوخ أسسها فيها، ولم يصفوا موائد القصور بل وصفوا موائد العرفان والعلوم.
وإنّ من خير ما عرفناه من رحلات علميّة تستجيب لما نريد وتقدّم لنا عينة