236
ابن معاذ موضع مشورة النبيّ صلى الله عليه و آله
وممّا تمتّع به رضوان اللّٰه عليه علوّ القدرة والكفاءة والحكمة العالية والخبرة الواسعة، وقد جعلته هذه الخصائص يحظى بمنزلة رفيعة عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله وبموضع مشورته، وهو ما حدث في بدر واُحد والخندق.
ففي وقعة بدر الكبرى، أقبل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله على أصحابه - بعد أن وصلته أخبار قريش - وقال: هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها. . .
ثمّ راح صلى الله عليه و آله يستشير أصحابه، فقال أبو بكر فأحسن، ثمّ قال عمر فأحسن، ثمّ قال المقداد بن عمرو فقال كلمته المشهورة:
يارسول اللّٰه امضِ لما أمرك اللّٰه، فنحن معك، واللّٰه لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحقّ، لو سرت بنا إلى برك الغماد - مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتّى تبلغه.
فدعا له بخير، ثمّ قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله: أشيروا عليَّ أيّها الناس، وإنّما يريد (أي رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله) الأنصار؛ لأنّهم كانوا عدّته للناس، وخاف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلّاممّا دهمه بالمدينة، وليس عليهم أن يسير بهم.
وهنا انبرى سعد بن معاذ قائلاً: لكأنّك تريدنا يارسول اللّٰه؟ !
فقال صلى الله عليه و آله: أجل.
قال: قد آمنّا بك وصدّقناك، وأعطيناك عهودنا فامض يارسول اللّٰه لما أمرت، فوالذي بعثك بالحقّ إن استعرضت بنا هذا الخبر، فخضته لنخوضنّه معك، وما نكره أن تكون تلقى العدوّ بنا غداً، إنّا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، لعلّ اللّٰه يريك منّا ما تقرّ به عينك، فَسِرْ بنا على بركة اللّٰه 1.