123يعلم عدم جدّيتها أو حتّى سوءها، ورغم مشاركته في موسم الحجّ إلّاأنّ ذلك لم يمكّنه من الوقوف على ما يمكن أن يكون مفاتيح تواصل ومعرفة ممتدّة بينه وبين إخوته في الإسلام، بما قد يفتح من آفاق واسعة لتوطيد علاقات أخوية تخدم اهتماماتهم ومصالحهم المشتركة! مع أنّ الحجّ فرصة ذهبية لإخراج مفهوم الوحدة الإسلامية من الكمون والقوّة إلى الفعل والواقع، إنّها فرصة لتحقيق مفهوم الاُمّة استجابةً لدعاء إبراهيم وإسماعيل:
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ، والتمكّن من حسن استثمار الحجّ على المستوى التعارفي للشعوب الإسلامية، لتحقيق عالميّة الإسلام وتجسيدها واقعياً وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ، هذه العالميّة التي تستوعب الحضارات والثقافات كافّة، وتحتفظ للشعوب بخصوصياتهم، وتعطيهم إمكانية تنزيل المعاني والمطلقات والقيم الإسلامية على أعرافهم وواقعهم المشبع برصيد ثقافي واجتماعي وحضاري، لقد أصبح ذلك ممكناً وميسّراً اليوم أكثر من أي وقت مضى، بسبب توفّر الأدوات والوسائل والوسائط الحديثة.
والعالميّة، تختلف عن العولمة، التي هي اختراق لخصوصيّات الشعوب وإذابتها، وجعلها في بوتقة واحدة، الأمر الذي يمكن أن نستشفّ رفضه من قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ، فجعلُ الناس والاُمم والشعوب نمطاً واحداً تفكيراً وتعبيراً وذوقاً واختياراً ليس مقصداً خلقياً ولا أمرياً، فالتعدّدية مظهر للجمال والجلال، والحديقة تجمل بتعدّد ألوان زهورها وتنوّعها لا في توحّدها! !
الحجّ من التأثير إلى التأطير
إنّ الحجّ - بما يبعث في الحاج من قيم إيمانية ومعان روحية تعمّق فيه انكماش «الأنا» لصالح «النحن» - لهو كفيل بأن يمثِّل صمّام أمانٍ تجاه العولمة القائمة على فلسفة خطيرة، هي سقوط المرجعيات القيميّة