119ولقد تركت لنا ثقافتنا الإسلامية، جنساً أدبياً عرف بأدب الرحلة (2) ، سطّر فيه العديد من علماء ومبدعي الاُمّة مادّة سيريّة جميلة تحكي رحلتهم إلى بيت اللّٰه العتيق وأداء مناسك الحجّ وزيارة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، ممّا يشكّل لنا اليوم مادّة تاريخية وانتروبولوجية وحضارية وجغرافية رائعة من جهة، ويقف بنا على أبعاد جديدة للحجّ وخاصّة الجانب التعارفي.
إنّ تطوير المواصلات ووسائل النقل من الجَمَل إلى أحدث أنواع الطائرات، بقدر ما رفع المشقّة عن الحاجّ أو كاد، وطويت له المسافات في بضع ساعات بدل الأسابيع والشهور كما في الماضي القريب، إلّا أنّها حرمته من هذا الاختراق العمودي لثقافات وحضارات الشعوب الإسلامية. لقد هجرت «طرق الحجّ» وما قام حولها من حياة ثقافية وحضارية، لقد كانت هذه الرحلة تمكّن للحاج أن يقف على التعددية الثقافية والحضارية للشعوب الإسلامية وقفة تكسبه تجربة ودربة ودراية بما عليه أحوال الاُمّة، وتوسيع مداركه فيتحوّل من إنسان «محلّي» إلى إنسان «عالمي» ، وكلّ ذلك يقع عليه قبل أن يحجّ، فما أن يصل إلى صعيد الحجّ، حتّى يتعمّق ويزداد إدراكه بأحوال الاُمّة. إذن هناك فرق بين حاج يعرف الاُمّة في أثناء الحجّ بعدما عرف طرفاً منها في طريقه إلى الحجّ، وبين حاج عليه أن يتعرّف عليها في عجالة أثناء الحجّ: الفرق بين من كسب خبرة ميدانية وتحمّل في سبيل ذلك أنواع عديدة من المشاقّ، ومن عليه أن يعرفها في وقت قصير، ربما كان على الأخير - وللأسف - أن يقبل بما يسمّى بالصور النمطية، وهي صور جامدة معلّبة جاهزة وفي معظم الأوقات غير صحيحة، وربّما سلبية عن غيره من المسلمين، فهي تعيق التعارف بدلاً من أن تعمّقه، وتشكّل تصوّرات تنفّر المسلمين عن بعضهم بل تخيفهم من التقارب من بعضهم لمزيد التعارف بدلاً من أن تعمّق، وتزيل ما يمكن أن يحُول دون ذلك.