154
إذ يتنازعون بينهم أمرهم:
لقد تنازعوا أمرهم فيه، وهكذا هو شأن العظماء، فاختلفت آراؤهم، وتشتت كلماتهم، وتفرقت أقلامهم في الكتابة عنه فمنهم:
من قال: إنّ أبا طالب مات كافراً. إنّ أبا طالب مات مؤمناً.
فيما توقّف فريق ثالث في أمره وتحيّر، كيف يقول بكفره وكلّ ما قدّمه يدلُ على إيمانه؟ ! وكيف يقول بإيمانه ولم يسمعه يردّد الشهادتين. . . ؟ ! إلّاأنّهم جميعاً قد اتفقوا على أمر ثالث لا يراودهم الشكّ فيه ألا وهو: أنّ أبا طالب لم يبخل بجاه ولا مال ولا موقف ولا أي شيء إلّاوسخّره لخدمة الرسالة ورسولها الكريم، بل يكاد إجماعهم هذا يؤكد أن لا أحد خدم الإسلام كما خدمه أبو طالب طيلة عشر سنوات من الدعوة في مكّة قضاها عبر مواقف تتسم تارةً باللين وأُخرى بالشدّة وثالثة بالدعوة إلى الإسلام من خلال تسخيره جميع مواقفه وما يمتلكه من وسائل ومنها وسيلة إعلامية لا ينكر أحد تأثيرها: كلماته البليغة وقصائده الشعرية الكثيرة، فقد كان الرجل مجيداً للشعر مكثراً منه، فسخّره في الدعوة إلى اللّٰه ورسوله، حتى كلّفته هذه المواقف التضحية بما يمتلكه من شبكة اجتماعية وعلاقات كثيرة، فَقَدَ على أثرها طاعة قريش حتى تجرّأت على محاصرته والتضييق عليه.
وإنّ من اللافت المؤسف والمؤلم أنّ أبا طالب مع كلّ مواقفه وكدحه المتواصل في إرساء دعائم الإسلام وتثبيت أركانه، يموت كافراً - كما يزعم الزاعمون -، وأبا سفيان الذي كان من الطلقاء، ولم يقدّم شيئاً يذكر في مسيرة الرسالة السماوية هذه، بل هو الذي عاش قبل نطقه الشهادتين وبعدهما زعيماً للتآمر على الإسلام ورسوله، ورجل الكيد والغدر، يموت مؤمناً! !
لقد تعرّض أبو طالب إلى مؤامرة قذرة رسمتها أيادٍ عرفت بالعداء للرسول ورسالته وبغضها لهذه العائلة الكريمة، فراحت تبذل قصارى جهودها وما تملكه من مال كثير وقدرات وخبرة في سبيل تقويض أي مجهود لرموز هذه الاُسرة