126ابن مذركة ابن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
ونحن إذ نقف على عدنان؛ لأنّ المُشتغلين بالأنساب اتّفقوا على هذا النسب حتى عدنان، واختلفوا في عدد أجداده بعد عدنان حتى نبيّ اللّٰه اسماعيل. فقيل أربعة أجداد بين عدنان واسماعيل، وقيل سبعة، فيما ذهب فريق ثالث إلى أربعين أباً.
ولأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله كان إذا انتسب يقف على عدنان ولا يتجاوزه، ويقول:
كذب النسّابون، قال اللّٰه تعالى: وقروناً بين ذلك كثيراً 1.
صفاته:
عُرف أبو طالب بحكمته وحلمه وشجاعته الفذّة، وشاعريته المستوقدة، التي إن لم يوقفها كلّها على خدمة وتأييد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله والدعوة إلى ما جاء به من الحقّ، فقد أوقف أكثرها من أجل ذلك، وكان وسيماً، جسيماً، عليه بهاء الملوك، و وقار الحكمة، وكانت قريش تسميه الشيخ، وكانوا يهابونه ويخافون سطوته، ويسمونه ببيضة البلد، ويلقبونه بشيخ الأبطح. . . 2قيل لأكثم بن صيفي حكيم العرب: ممّن تعلمت الحكمة والرياسة، والحلم والسيادة؟
قال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب، أبو طالب بن عبدالمطلب.
وجرى ذات يوم كلام خشن بين معاوية وصعصعة وابن الكواء.
فقال معاوية: لولا أنّي أرجع إلى قول أبي طالب لقتلتكم وهو:
قابلت جهلهم حلماً ومغفرة
والعفو عن قدرةٍ ضرب من الكرم
أبوه:
غني عن التعريف، ولكنّ المقام يدفعنا إلى ذكر شيء من حياته ومناقبه، فهو عبد المطلب، شيبة الحمد، أمير مكّة وشريفها، كان سيّد قومه بلا منازع، ومفزع قريش في نوائبها، وملجأها، وكيف لا يكون كذلك، وهو حكيمها وحليمها وزعيمها. . . وكان موحّداً لم يعبد صنماً قط، وصاحب الأخلاق العالية، التي خلقت منه إنساناً ذا مهابة و وقار وهيبة وميل إلى الدين والنسك والكرم حتّى سمّي بمطعم الطير. . . وهو الذي قام بحفر ماء زمزم، التي تفجّرت تحت قدمي جدّه اسماعيل من قبل، بعد أن غاب أثرها، ولم يهتدِ إليها أحدٌ حتى هتف هاتف في منامه، فراح يحفر حتى اهتدى إليها، مستعيناً بابنه الحارث، وحيده يومذاك. كما كان صاحب الشرائع الفاضلة، فهو الذي سنّ السنن التالية:
الوفاء بالنذر، قطع يد السارق، النهي عن قتل المؤودة، تحريم الخمر، تحريم الزنا، المنع من نكاح المحارم، حظر طواف العراة بالبيت الحرام، وهي سنّة كان يعمل بها عند بعض قبائل الجاهلية. . .
وكلّها نالت قبول الإسلام وأمضاها، هذا إضافةً إلى ما امتاز به من خصالٍ فريدة، وصفات جليلة، راح يهذّب أولاده ومَن حوله على التحلّي والالتزام بها.
ونكتفي هنا بذكر موقف عظيم له، يدلّ على عمق إيمانه وصدق توجّهه نحو اللّٰه تعالى واليوم الآخر، وهو ما دار بينه وبين أحد طغاة عصره وهو ابرهة الحبشي:
فقد كانت لعبد المطلب ولاية البيت الحرام من السقاية والرفادة. . . فخذل اللّٰه على يديه إبرهة الحبشي وجنده، الذين جاؤوا لهدم الكعبة، وصرف الحاجّ عنها إلى بيتٍ بناه في اليمن، ليكون بديلاً عن الكعبة، ويجني من عمله هذا مصالح ومنافع كثيرة. . . ولما التقى ابرهة بعبد المطلب، كان كلّ همّه أن يستميله إلى جانبه، وأن يجعل منه أداةً لتحقيق ما جاء من أجله، إلّاأنّه - مع كلّ ما قدّمه أو توعّده به - لم يجد منه إلّاالرفض، وإلّا الثقة العالية باللّٰه تعالى، مكتفياً بأن يردّ إليه إبله وشويهاته