89زارني كنتُ له شفيعاً» 1.
وبيان الحال: أنّ (الشفاعة) إن كانت من قبيل الدّعاء، فيرجع طلبها إلى التماس الدّعاء من الأنبياء والأولياء، فتكون عبارة عن دعاء مخصوص لنجاة الغير، أو قضاء حاجته في أمور الدُّنيا والآخرة، فلا كلام ولا بحث في جواز طلبها من كلّ أحد، فهي كما لو سألتَ إخوانك الدّعاء. ويؤيّد ذلك أنّه لمّا سئل إدريس عليه السلام الشفاعة دعا.
ولا فرق بين الأحياء والأموات، فإنّا سنُبيِّنُ - إن شاء اللّٰه - تواتر الأخبار في أنّ الأموات يسمعون وينطقون، لكنَّ الناس لا يسمعون كلامهم. فالشفاعة بهذا المعنى لا غضاضة في طلبها، إذ لسنا في ذلك بمنزلة من قالوا لا طاقة لنا بعبادة اللّٰه، ونحن نعبد الأصنام، وهم يوصلوننا إلى اللّٰه.
وإنْ اُريد بالشفاعة منصبٌ أعطاه اللّٰه لنبيّه صلى الله عليه و آله وأوليائه، فيدفعون بالأذن العام عن الناس، بمعنى أنَّ اللّٰه أذن إذناً عامّاً لنبيّه صلى الله عليه و آله في إنقاذ بعض أهل العذاب من العذاب يوم يقوم الحساب، فبهذا المعنى تكون مخصوصةً في الآخرة.
ولا ريب أنّ المستشفع بالنبيّ صلى الله عليه و آله، والأولياء في دار الدُّنيا، يريد المعنى الأوّل.
فليتَ شعري ما الذي يُنْكَرُ من طلب الشفاعة، أمن جهة خطاب الموتى فذلك لا يوجب كفراً ولا إشراكاً، لو كان خطأ، فكيف لو كان صواباً، أو من جهة إسناد الأمر إلى غير اللّٰه سبحانه، وهذا أعجب من السابق، فإنَّ الدّاعي والساعي في حاجة أحد إلى مولاه لا يرتفع عن درجة العبودية، ولاسيّما إذا لم يحدث شيئاً إلَّا عن إذنه؟ !