68حوَّمنا فوق بعض مواضع حدود الحرم بطائرة عمودية (هيلكوبتر) فُرغت يومها لهذا الغرض، وبعدها بسنوات كنت قد أشرفت على وضع أحد العلامات الدالّة على موضع الحدّ، على أحد الطرق الرئيسيّة المؤدّية إلى البلد الحرام» .
ابن دهيش يخطو الخطوة الأولى
ثمّ راح يواصل حديثه، الذي يبيّن فيه بداية مشروعه هذا حيث يقول:
«وبعد أن ابتعدت عن المشاغل الرئيسيّة، ومنها سلك القضاء، تاقت نفسي للاطّلاع على ما كتب عن تاريخ البلد الحرام، في القديم وفي الحديث، ويسَّر اللّٰه لي الوقوف على صورة من مخطوطة كتاب: «أخبار مكّة في قديم الدهر وحديثه» للإمام محمّد بن إسحاق الفاكهي المكّي، المتوفّى في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري» .
وبعد أن تمّ له تحقيق كتاب الفاكهي هذا، يقول: «عاد الشوق يحدوني من جديد لمعرفة مواضع حدود الحرم المكّي الشريف، والوقوف عليها، واشتدّت رغبتي في ذلك، وأخذ الحماس لهذا الأمر يزداد يوماً بعد يومٍ، كلّما تعمّقت في دراسة المباحث الجغرافية، التي ذكرها الفاكهي في كتابه» .
لقد كان الدكتور بن دهيش منهجيّاً في تحقيقه لكتاب الفاكهي حيث لم يدع موضعاً ذكره الفاكهي وعرّفه، إلّاوقف عليه ووصفه وصوّره وحتّى لا يدع شيئاً إلّاوذكره عنه، وإن كان اسماً جديداً له.
ولم يتوقّف في عمله هذا عن سؤال أهل الخبرة فهم مصدر من مصادره، التي اعتنى بها في تحقيقه لكتاب الفاكهي، وفي كتابه الذي بين أيدينا، فيقول: «فلقد اتّصلت بأكثر من رجل ممن لهم خبرة في مواضع مكّة وجبالها ووهادها وأعلامها وشعابها، ومنهم خبراء عملوا في هيئة النظر في محكمة مكّة، تنتدبهم محاكم مكّة لفضّ المنازعات، وتثبيت الحدود