168لكم، فهو الدُّنيا بعينها وحبّ بأعراضها، وكان الأجدر أن لا يجدوا فيكم هوادةً أو رأفةً أبداً وأن لا تتركوهم إلّاوهم يعيشون الرعب من قوّتكم وفتككم بهم، وأن تجعلوا الضعف يلازمهم والوهن يلاحقهم طيلة حياتهم حتّى لا يعودوا لمثل ما جاؤوا به وما فعلوا، وهي فرصة عظيمة لكم كان بإمكانكم استثمارها داخل ميدان القتال، فإذا بالغتم في قتلهم وقهرهم يرتدع مَن وراءهم، وأكثر من هذا تواصلوا القتال لتغلبوهم على بلادهم وتذليل أهلها كما علىٰ رأي بعض في تفسير الإثخان، حتّى تتمكّنوا في الأرض، لا أن يكون همّكم أسرهم ومفاداتهم والحصول على الغنائم وهو هدف ليس فيه بُعد نظر للمستقبل، فيما التفكير السليم أن تجعلوهم لا يفكّرون في العودة لكم، بعد أن جاءوا للقضاء عليكم.
فقد كانت كفّة الميزان راجحة للمقاتلين المسلمين، وكانت ساحة المعركة بأيديهم فكان بإمكانهم أن ينزلوا العقاب الرادع بعدوهم، وخير دليل علىٰ هذا هو قلّة شهدائهم فقد كانوا أربعة عشر رجلاً، ستّة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فيما كان قتلى العدو سبعين رجلاً بينهم من قادة قريش وزعمائها، وأمّا أسراهم فكانوا سبعين أيضاً بينهم زعماء من قريش، ولم يؤسر أحد من المسلمين.
فمع جلالة وعظمة البدريين، وأن بجهودهم ودمائهم رويت شجرة الإسلام وأزهرت، لم يترك القرآن الكريم عملهم هذا بلا تعريض أو عتاب أو لوم، ليكون ذلك لهم درساً في مستقبل حياتهم الجهادية، إنّها تربية السماء التي ما انفكت تلاحق المؤمنين فتثني عليهم إن أحسنوا، وتعاتبهم إن أخطأوا، ليكون هذا ضمن دروس إيمانية متواصلة، وابتلاءات متلاحقة ورقابة مستمرة؛ لإعدادهم الإعداد الذي تبتغيه السماء وتريده لهم في دنياهم وأخراهم.
حقّاً كان الأولى استئصالهم من جذورهم ولا يتركونهم يعودون إلى أهلهم، ولاختصر المسلمون لو عملوا هذا الوقتَ في نيل أهدافهم وتحقيقها بكبح أقوى قوّة تواجّههم في دعوتهم الجديدة ولما وقع ما وقع لهم، ولما عادت قريش لهم في